Uncategorizedثقافة

عبق الدخان / رواية للاديب ارزقي ديداني / الحلقة الثالثة

 

صياح يسمع عبر الليل الذي كان بلف المنطقة ثم دخان، ودخان كثيف، متطاير والأنجم ترنو شاهدة… نجوم الجزائر التي ترزح تحت نير الظلم. الحيوان أصواته قوية وألمه جهير، معلن… بينما ألم البشر غير قوي وغير خافت لكنه مؤلم يجعل الكائنات تنتفض رعبا. الكائنات البريئة التي هي كما الحشرات، كما الذئاب، كما الكلاب، وصاح لا الكلاب تفحمت لأنها أمينة ووفية لا تستطيع الابتعاد عن أصحابها… ولكن الكلاب البشرية المنتصبة حول الفوهات منعا للخروج لمن بالداخل بما تتصف يا أيها الكاتب الذي كان جاهلا لتاريخ بلاده؟ وعجز عن الاجابة وإيجاد التوصيف. ولكنه أخيرا اجتهد وواصل: الكلاب بالأصل عيونها تحتوي الكثير من الود وهذه الكلاب المدججة لا تحمل شيئا من ود. هكذا تصور في صور كانت تتالى كما البرق كما النيازك وهي تشق الفضاء وكما الرياح وهي تدك الأرجاء. ثم هدأ بعض الشيء. الأم وضعت أمامه أكله. الكوخ الذي يسكنه ضيق وحار تحت شمس جوان. قال: أمي لا أستطيع الأكل. احتارت لوقت ثم سألت: ولماذا، أأنت شبعان، لقد ذهبت من الصباح كما كل يوم لا تعمل فيه وهمت بالمدينة وهذه الجرائد والكتاب والمجلة بيدك، فمن أين جاءك الشبع؟! رد – أمي… لست أحس بالجوع ولا بالشبع. لكنني الآن فقط لا أستطيع. ربما بعد وقت سوف أفعل. تراجعت للوراء وهي تردد: كما تحب ارتاح. ثم، لابد أن تأكل. النهار بطوله ولم تأكل؟ كل! وغابت. فتمدد. قرأ شعرا لنزار قباني. يحب هذا المبدع ويكرهه في الآن نفسه. ذلك لأنه يظهر ترفا به مبالغة ولكنه غصبا عنه كان يطالع إبداعه. يحب الشابي كثيرا سيما في قصيد: إرادة الحياة ” إذا الشعب يوما أراد الحياة * فلا بد أن يستجيب القدر / ولا بد لليل أن ينجلي * ولابد للقيد أن ينكسر” أجل، لم ينس هذا المطلع الجميل، المؤثر، القوي والرائع في شعر اللغة العربية. كان مدرسه لما يقرأها عليهم يحمر وتنتفخ عروق رقبته حتى أنه في البداية كان يرتعب من المشهد. هو في طفولته زمن الدراسة كان يحب شعر أحمد اللغماني. ولكن لما كبر قليلا وتثقف أيضا قليلا صار يحب نزار لما عشق السمراء في مدينة منزل بورقيبة بحي الشلاغمية المزدان بالحدائق التي تنوس في أرجائها أشجار الزيتون والتين وحتى نبات الحبق عبر أنسام الأماسي اللذيذة. نعم! كان للسمراء بستان غني بالأشجار. وكان في أوقات الأمان من عيون الأهل يتكئ صحبتها على جذع زيتونة وثم تحلو الأماسي. تلك، ذكريات تؤلمه ومازال فراقها أيضا يحز في نفسه…. وعندما وصل الى هذا الحد من هواجس الماضي وآيات الإبداع الشعري لأبي القاسم الشابي ونزار قباني مد يده لطعامه فأكل. ولكن القليل…القليل. وثم، في هدوء قاتل أحس بنفسه يغرق في نوم أسيان.

ونـــــــــــــــــــام.

*

(رياح عاتية تدفع به بعيدا. هي تمد يدها فلا تمسك بيده لأنه كان يبتعد للوراء. لم تكن تبكي ولم تكن تصيح فقط، كانت تنظر في فزع إليه وللأشياء التي كانت تندفع التي كانت تترامى في أي اتجاه التي كانت لا يسمع لها من حركة فقط، كانت الأنجم الصيفية تنظر إليه وإليها وهو يسير بعيدا فبعيدا…)

تململ لوقت،

أفاق… لزمن لم يفهم ما جرى له ولكن بعد وقت ليس بالقصير تيقن بأنه كان ضحية أحلام هي في الواقع لم تعد موجودة والأصح كما فكر هي: ذكرى.

وتناول إفطاره الفقير وثم خرج ليوم عمل؛ وشاق.

*

وصل إلى هضبة قرية شيحاني، الاسم لمجاهد شاب تعرض ظلما للتصفية زمن الثورة التحريرية بالأوراس. شيهاني بشير ولكنها صارت بفعل قوة الأشياء: شيحاني ودون بشير. الاستلاب هو أول ما لاحظه فور استقراراه، حتى أن بعض الشباب وجهوا إليه ملاحظة وجدها عجيبة ” عندما لا تستعمل الفرنسية لا تستميل أي فتاة وأنت لا تستعملها ” فلم يجبهم لأسباب كثيرة منها انه لم يفهم في البداية كما ينبغي محل الملاحظة من الإعراب. ثم هو ليس في حاجة للرطن بالفرنسية حتى ولو أعجبته إحداهن وكانت مثلا في جمال سميرة توفيق أو بريجيت باردو. وقتها اندهش، لكن بعد مرور زمن صارت مثل هذه الملاحظة وملاحظات غيرها تجعله يبتسم، وفقط. اندفع للشيخ محمد واحتضنا بعضهما. قال له – ولدي… أين كنت البارحة لقد قلقنا عليك؟ ضحك. وأجاب – عمي. أخذت لنفسي إجازة. وكان يوما مذهلا. – مذهلا؟ – أجل. بعنابة تعرفت على شيخ رائع مثلك ولكنه لا يعمل بالمزارع بل يبيع الصحف متجولا. قطعة ذهبية، والله! فجأة، غرق العم محمد في موجة من الضحك وهو يردد: الله يجازيك…أنت عفريت… قطعة ذهبية ودفعة واحدة!؟ ثم، وقبل أن يعلق الكاتب الشاب الذي هو عامل زراعي صاح به – هيا يا ولدي أنت تونسي وأنت جزائري لذا لا أحد يستطيع مجاراتك في إيجاد الكلمات الغريبة والتعاريف العجيبة. هيا إلى العمل. كان محمد، هذا، مسؤولا على مجموعة من العمال لأحد التجار في الخضر والفواكه الذي يشتري بالجملة ويبيع أيضا بالجملة بسوق الجملة بعنابة. مباشرة حمل الصناديق الواحد تلو الآخر ليوزعها على العمال لالتقاط حبات الطماطم. هناك أكثر من شاب يصغره وفي غفلة من الجميع عدهم ” ثلاثة من مجموع العمال العشر” عمار يتيم ترك الدراسة من الابتدائي يحمل شخصية متحفظة شيئا ما. لخضر هرب من الدراسة التي قال عنها هي لا تلائمني فلماذا تكسير الرأس! فوزي، وبسبب طلاق والدته التي تزوج عنها والده امرأة أخرى، كان هنا كعامل. هي، لم تحتمل الوضع فخرجت للعمل منظفة لتعيل أبناءها وأمها العجوز. وبعزيمة لا تلين صمم الابن الذي لا يتعدى سنه الرابعة عشر مساعدتها ولو كلفه ذلك ترك الدراسة النظامية. طبعا الوالدة اعترضت على اختياره ولكن ذلك لم ينفع. وهو يزاول دراسة عن بُعد مثل الكاتب الشاب بالضبط. وقد كانا يتعاونان في حل مسائل الجبر وغيرها. – سرعة تنقلك بخفة تبهرني… مليح بزاف يا أيها الشاب. وابتسم ثم أضاف: المتعلم… رد – شكرا يا عم… محمد. وسمع الشيخ المتهدم رابح يجدف والشمس لم تتحرك في تمططها الجميل كفاية عبر سمائها الزرقاء العذبة التي يحب منظرها من بداية ظهورها كنصف قرص مصفر إلى أن يحمر كقرص متكامل ثم يأخذ في الاتجاه نحو الأعلى في خط ساحر. نهره العم محمد قائلا: صبّح يا حاج! بعد وقت رفع رأسه ودحرج صندوقه نحو الأمام وأجاب ” تروح تسكت هذا الصباح وتتركني ألا يكفي هذه المزيرية والدنيا الزانية؟ ولما وصل ناحية فوزي الذي كان لا يستلطف الشيخ المهذار الذي تنطلق في الغالب الكلمات البذيئة من فمه كما طلقات البارود القديم…طف… طف… هكذا. قال: تعرف يا صديقي أنا أتطير من سحنته التي نصطدم بها كل صباح. ربي يستر. علق وهو يبدل الصندوق الممتلئ بآخر – لا تعطي أهمية لمثل هذه الشخصيات. فقط انتبه وتعلم حتى من أخطاء الغير. استقام. ضحك. وقال: لكن أين كنت البارحة؟ – في بونة. – قل عنابة بونة اسم آثار. صحح – كلا بونة أو هيبون في الأصح اسم تاريخي للمكان الذي هو عنابة. – رائع، أنت درست أكثر مني بكثير خصوصا بتونس… قاطعه: هناك لم أكمل وها أنا زميلك في نظام الدراسة عن بُعد. علق – نعم. ولكنك تفوقني في المستوى. أنت ثانوي وأنا ثانية متوسط. لذا تكون معلوماتك أحسن. لكن دعنا؛ كيف كان يومك؟ ولم يجبه لأنه كان عليه تنظيم الصناديق المملوءة. لكن بعد وقت همس ” هو ليس يوم طفل! ” هتف الصغير فوزي – لا تتكبر؛ سوف ألحق بك وبسرعة… ولكن الآخر لم تصله الكلمات رغم وضوحها لأنه ابتعد كثيرا وهو يتبادل حديث عمل مع العم محمد. كان يضع الصندوق فوق الآخر مكونا جدارا من الصناديق التي تبعث رائحة الطماطم الناضجة بلونها الأحمر ومسؤوله في العمل يساعد بكل همة ونشاط رغم تجاوزه السبعين.

كان دائما ما يتشارك الغداء مع المسؤول العجوز، لكن الصغير فوزي أصر على الانضمام لهما هذه المرة فقبلا. كانت شجرة زيتون غير مثمرة يطلق عليها محليا اسم ” زبوش” كانت وارفة تعطي كمية من الظلال كافية – أنت اليوم لم تحمل النصر؟ هكذا استفسر العم محمد. رد – اليوم نهضت ليس باكرا فنسيت ولكنني في المساء وإن أردت أقرأها عليك. – نعم… نعم… هو كذلك. أنت شاب طيب… مثل شبابنا في سالف الزمن لما كنت في مثل عمرك أو حتى في مثل عمر هذا البزويش. فانطلق الجميع في ضحك طاردين جو العمل القاتم. رد الصغير – البزويش لا فائدة منه لأنه زاوش بينما أنا كلي فائدة. هتف الشاب الأديب/ العامل – أرأيت … لقد صار ذكيا وهذا جيد… رد الصغير – بفضل الزمن وبفضلك يا صديقي. ولكن لم تجب على كيف كان يومك أمس بعنابة؟ – تعرفت على شيخ شعبي بأتم معنى الكلمة وعرفت من جريدة الشعب إبادة قامت بها فرنسا يطلق عليها محرقة الظهرة أو إبادة قبيلة أولاد رياح. هتف أحدهم وهو يمسح فمه من بقايا الأكل – هذه ليست بالشرق من الاسم عرفت ولكن ما هي فأنت مطلع ولا تفارقك الجرائد والكتب والمجلات؟ تنهد، تنهيدة مسموعة. ثم بعد وقت أجاب بصوت به حزن وبه خجل أيضا – ما زلت لا أعرف بل لم أسمع بها من قبل. ونهض الجميع لمواصلة الكد بينما الشمس قد أخذت تميل نحو الجهة الغربية من المظلة الزرقاء المبقعة بسحب بيضاء تتراءى كما النتف السابحة.

*

كان يصارع هبوب الرياح – آه…! كانت الآهة قوية ربما لكي يسمع الشاب فوزي الصغير جدا الذي كان يصحبه في هذا اليوم راجعين للحي القصديري حيث الزميل فوزي يسكن عند مدخل المدينة التي تحولت من قرية لمدينة بفعل قوة الأشياء. بينما الكاتب الشاب يتحتم عليه اجتيازها ليصل إلى حيه القصديري أيضا. – أنت تتشكى؟ وضع كف يده فوق رأسه الصغير ورد: نعم. فلم يفهم الصغير شيئا أو لم يستوعب كفاية إقبال الكاتب على مثل هذه الآهة العظيمة حتى انها تفوقت صوتا على أصوات الرياح. وتتطاير أوراق الشجر وبعض الفضلات المهملة وتمس وجه الصغير صاح: اللعنة لقد دخلت… لفمي! وتوقف. مسح وجهه في غضب بينما الآخر ما يزال يسير ويجهد لكيلا ترجعه شدة الرياح للخلف. صاح: اسمعني. تمهل حتى أستطيع اللحاق… وبدورة واحدة جرى إليه وكان بجانبه وهو يردد: لا تخف. أنا والرياح أصدقاء يا ابني الصغير. هي لا تضر الصغار؛ حنونة. ثم أمسكه من يده ليساعده على السير دون تعثر. شكره على هذا الاهتمام واستفسر في لهفة – لم أفهم أنت صديق الريح والريح صديقك؟! – اسمع، عند وصولنا لذلك الحائط ونختبئ منها سوف أخبرك. صاح فوزي – هـــــــــيــــــــا! واتكأ الكاتب الشاب المنهك القوى من يوم عمل شاق وبجانبه فعل الصغير. قال: أخي الصغير… الريح هي من دعت جدي لهجرة آيت أومالو وهي من دفعت هذا الشقي الذي يكلمك لعكس الهجرة. – صدقا لم أفهم هذه ألغاز مثقفين… علق: جيد! انتبه؛ الاستعمار يدفع الناس كما الريح العاتية لهجر أماكنهم الأصلية. والاستعمار يدفع الناس لمقاومته بشدة تفوق شدة الرياح. نطق الصغير الذي لا يعرف التواءات الزمن مبهورا – فهمت. تشبيه رائع أين تعلمت كل ذلك؟ ابتسم ورد – هيا يا فوزي الريح بدأت تضعف شدتها وواصل: ببنزرت كانت تهب كثيرا. وكنا نحن الصغار نتحداها بالجري مواجهة وكان منا من ينجح ومنا من يفشل فيسقط. – أنت لم تسقط؟ – أقول الصدق سقطت الكثير من المرات ولكن أنهض وغالبا دون كدمات ولا شكوى مثل الكثير من أقراني زمنها. – كانوا يتألمون؟ – أجل. – طفولتك جميلة؟ – كلا. – لماذا؟ وتساءل هو أيضا – لماذا؟ وأجاب بنفسه على تساؤله الذي كان في الحقيقة ممرا للتعبير بأكثر صدق – دعك من طفولتي هي شأن شخصي… أعتبرها. ثم، أبي ولد هناك. وجدي هنا… – ولد هنا؟! اسمه لو تسمح، فأنت لا تريد أن نناديك باسمك وتفضل الصفات مثل الشاب وأيضا مثل كاتب. – جدي…!؟ أجل يا صغيري أنت تدفعني كما دفعتنا الريح معا بدون رحمة لأغوص في المشاهد المؤلمة، ثم إن جدي اسمه أرزقي. – تحبه؟ – أجل، يا فوزي. لا أحب أبي وهذا لأسباب عديدة… قاطعه – منها؟ – منها!؟ هو يحد من حريتي ولا يحب هواياتي وأشياء أخرى أسمح لي للاحتفاظ بها لنفسي يا صغيري. ثم… – ثم ماذا أيها الأديب

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
عنابة / اتحاد عنابة/ تواصل الإستقدامات بقوة وبداية التحضير مطلع  أكتوبر.. خنشلة / إتحاد خنشلة :بوكرومة يعود لرئاسة الفريق بعد وعود السلطات المحلية عبد اللاوي سفيرة للأمم المتحدة للنوايا  الحسنة/ المدية / توزيع 3 حافلات نقل مدرسي على مختلف البلديات تحسبا للدخول المدرسي القادم قسنطينة / حملة تحسيسية للوقاية من حوادث المرور لفائدة سائقي الدرجات النارية عين تيموشنت /رئيس الدائرة يتعهد لطالبي السكن الإجتماعي بالإفراج عن قائمة المستفيدين بعد دراسة الملفا... باتنة / تواصل حملة جني التفاح للموسم الجاري وتوقعات بوفرة الإنتاج هذه السنة‎‎ عين تيموشنت/حملة إعلامية واسعة لفائدة أرباب العمل والمستخدمين المدينين يطلقها "كناس" عين تيموشنت . الوادي / مواطنو الشريط الحدودي بالوادي يطالبون يتزويد المراكز الصحية بأطباء اختصاصين قسنطينة / غياب الإنارة العمومية بالطريق الرئيسي الرابط مابين المدينة الجديدة علي منجلي وبلدية الخروب عين تيموشنت/إصابة 10 أشخاص في حادثي مرور متفرقين لحافلة نقل العمال و سيارة سياحية الطارف / انعدام الكهرباء يؤرق سكان المجمع السكاني 93 مسكن ببلدية عين الكرمة ام البواقي/ وفاة شخص ثلاثيني اثر سقوطه من الطابق الرابع ببلدية الضلعة. قسنطينة / بمناسبة شهر ربيع الأنوار / مديرية الشؤون الدينية تطلق مسابقة الخطيب الصغير وهران / *وداعا الغبن للمجتمع الوهراني * خرجة ميدانية لمعاينة مشاريع سكنية الترقويةLpN وهرانية