ثقافةهام

عبق الدخان ….رواية للاديب المبدع / ارزقي ديداني / الحلقة الثانية

لباسه بلو شنغاي، أزرقه أخذ لونه يتبدد. وضع حزمة الجرائد وجلس في إعياء. في البداية لم ينتبه لجليسه الشاب. الشاب حدق فيه، في هذا الكهل الذي كان يراه لأول مرة. وعندما عرف بائع الصحف بأنه مراقب قال: يومك سعيد أيها الشاب اسمح لي لم أبادر بالتحية. لقد هدت الطرقات والشوارع قواي. رد الشاب – لا عليك. أنت بائع جرائد يا عم؟ – نعم، وشيّاد في أفراح الأرياف لأنه بالمدينة لا يوجد مثل حرفتي. ثم بعد صمت وجيز تساءل: أخي الشاب، أنت، لهجتك تميل للهجة الشرق؟ ابتسم الشاب وحمل فنجان القهوة للأعلى وارتشف منه ثم لما وضعه على المنضدة أجاب – بالفعل، نشأت هناك ولي أقل من عام بينكم وبصفة دائمة. بسرعة علق الكهل قائلا: كلنا عرب… عرب. يا أخي لكن أين كنت بالضبط؟ ابتسم في إعياء هذه المرة ورد – بتونس… ولدت هناك. علق بصيحة محببة – آ… إذن أنت من اللاجئين؟ رد – كلا؛ من المواطنين. تغير وجه الكهل بائع الجرائد وتساءل -كيف؟ مرة أخرى وقبل الإجابة رفع فنجانه وارتشف وهو ينظر نحوه لكنه في الواقع كان ينظر أبعد… قال له: عمي… أنت رائع … عفوي. أطلب حاجة تشربها؟ صاح بالقهواجي – فنجان قهوة. قوية. قوية بزاف! ثم واصل بعد اطمئنانه للنادل على أنه قد سمع – أحب القهوة… عفريتة هي، ولكن قرعة بيرة ليست عفريتة فقط بل ماذا أقول؟ هي مصيبة لذيذة وفي نفس الوقت تجعل السحب من حياتك تنقشع. ضحك الشاب وعلق قائلا: إذن أنت صاحب حشيشة!؟ رد بسرعة – نعم. وحتى أبرم قارو…. – عجبا زطلة !؟ – يا ولدي أنت صغير والدنيا غدارة كما المرأة وكما فرنسا… أليس هي من جعلك تتربى في الغربة؟ – عمي، ليست غربة هي بلد مجاور. – أعرف. لكنها ليست بلادك. تنهد الشاب وعلق: صدقت… صدقت. الآخر، نظر نحوه بعينين متعبتين ولاحظ قائلا: لكنك لم تفسر لي لما أنت لست بلاجئ أي كما تقول…؟ – مواطن؛ أي ولدت وتربيت في تونس رغم جنسيتي الجزائرية. – أخي الصغير اسمح لي لم أفهم كلمة مواطن هذه ولكنني الآن فهمت معناها. مرة أخرى اسمح لي. فقط، تعلمت بالكتاّب وحفظت الكثير من السور ولكن كل شيء ضاع. بصعوبة أتهجى رسالة وأيضا بصعوبة أكتبها… قاطعه – عمي، لكنك تبيع الجرائد وهي أداة تثقيف. أرسل نحوه قهقهة مدوية ومديدة حتى جعل مَن بالمقهى ينتبه وأحدهم يخاطبه بصوت مرتفع – عامر أنت سكران؟ وعندما هدأ قال: صحيح. لكنها جعلتني أصيح وأتوه من زقاق لزقاق ومن مكان فيه ناس إلى آخر. كيف أعرف ما فيها وأنا أصيح؟! الصياح مكتوب عليّ يا ولدي… في مواسم الأعراس والأفراح أبتعد لوقت عن بيعها ولكنني أبقى أصيح طوال الليل. بعد برهة من صمت ثقيل قال له – إذن تدعى عامر؟ اسم رائع. – وأنت؟ أحمل اسما أمازيغيا… قاطعه قائلا: لا تريد إخباري؟ رد مقاطعا – كلا. ولكن أعتبر نفسي كاتب ولك كامل الحق بأن تدعوني به. علق وهو يبحلق للكتاب الذي كان أمام الشاب على المنضدة – اسمك هو كاتب. أفهم من كلامك … اسمح لي واصبر علي فأنا شبه أمي، هذه كاتب يعني تحمل الكتب مثلي أنا أحمل الصحف. رد – تقريبا. تقريبا… معك أنت يا عمي أريد أن تناديني بكاتب لأني تيقنت من أنك كنز. أما الاسم فلك كامل الحرية ناديني محمد. عبد الله. أمقران… قاطعه بسرعة – إذن هو: أمقران؟ – أصارحك لا. ولكن، الآن، أكتفي بمناداتي بكاتب أعني أؤلف الكتب. تنهد، وواصل وهو يحدق في الفراغ بين الحيطان الذي يؤطره الباب الواسع – قد أصير كذلك يوما، ما… يا عمي عامر. رد: فهمتك. ولكنك تنشر في الصحف؟ – أجل. – في هذه؟ – نعم. – الآن؟ – لا من مدة نشرت لي مقالا. صاح – رائع أنت تصير صديقا لي وأنا لن أبخل عليك بالجريدة التي يكون فيها ما تنشره لك. ضحك ورد عليه –عمي عامر، أنت طيب… أنت ابن الشعب الطيب. تنهد الكهل وعلق: لكن هذا الشعب الطيب تعذب كثيرا… كثيرا يا ولدي الشاب والذي هو كاتب. ووقف حذوهما شيخ متهدم ثم خاطبه – أيها الجرنلجي أعطني المجاهد؟ عندما اشتراها حدق به وعلق بصفاقة – أمازلت تخمر؟ الشاب الكاتب توجس أمرا ولكن البائع رد بهدوء – هذا لا يضرك! المتطفل حدق فيه بحقد وهو ينصرف. بعد وقت، قرب الكتاب إليه وبسرعة قلبه بيده ثم قال: أظن قراءتي لعنوانه سليمة ” نجمة ” ؟ – نعم. – جميل… ايدوخ العنوان. تعرف في مرة قادمة سوف أحكي لك عنها… – ماذا؟ – يا كاتبي الشاب ليس نجمة الكتاب بل نجمتي أنا: عامر.

 

وخرجا معا في خطوات بطيئة عبر رحبة الزرع ومدينة عنابة تنوس في حيادية وكأنهما لا يعنيانها. الأديب الشاب حمل مجلة آمال، الصحف، وجريدة أسبوعية يشتريها إلا لأجل الصفحات الثقافية ليطالع القصص والأشعار وحتى بعض المقالات حول الأدب والثقافة. ولقد كان يجدها بسيطة. لكن، هذه المجلة تملك سحرا عليه فهو كل أسبوع يترقب وجودها بأكشاك المدينة متلهفا. وقد كان كتاب نجمة بيد الأفّاق أو الشيّاد أو المتجول بالصحف أو الصائح دوما وأبدا الذي يدعى عامر. والحقيقة هو لم يصدق بأن اسمه عامر. قال في نفسه ” هذا الرجل زئبقي ربما له اسما غيره، قد؟ ولكن ولما أتصور ذلك؟! ” هكذا خاطب نفسه والكهل يقول: ولدي نجمة هذه كتبها جزائري؟ رد – أجل. اقرأ اسمه على الغلاف بالأعلى. فقلب الكتاب وقرأ أو في الحقيقة تهجأ: كاتب ياسين… وقبل أن يواصل اندفع نحو امرأة تلتحف الحائك وهو يقول له: ولدي اسمح لي لقد ظهرت نجمتي أخيرا وسط رحبة الزرع وفي المرة القادمة أحك لي عن نجمة الكتاب. هَهْ… هَهْ ! بهت لوقت، لكنه لعنه جهرا وسط الرحبة التي هي عامرة بالمارة، بالمشترين، بالمتسكعين أيضا. وصعد نحو ساحة الثورة. اسم رائع لهذه الساحة الجميلة. يحب أشجارها الضخمة وتبهره الظلال التي تنشرها حول المكان مما يجعل الناس شبه ناعسة وهي تجلس تحتها. وقف أمام كشك للجرائد صاحبه أمازيغي. تفحص المجلات والجرائد وفجأة قرأ على غلاف جريدة الشعب ” اليوم تحل ذكرى محرقة مغارة الظهرة ” أمسكها. ثم طواها تحت إبطه ونقد الكيوسكي ثمنها.

ولم يرجع لقريته والنهار قد انتصف من مدة. وأيضا لم يتناول أكلا. فقط، قصد مقهى بسيطا مستطيل الشكل والغريب بأنه بلا نوافذ ولكنك دوما تجد الرواد به بكثرة. ابتسم وردد: هذا المقهى البسيط الفقير بل التافه له من السحر مثلما تملكه الأسبوعية التي أحب مطالعتها فعجبا لغرائب الشبه! وابتسم وهو يجلس. طلب فنجان قهوة. ومباشرة بالمنضدة المجاورة مد إليه أحدهم سيجارة. ابتسم لهذا الكرم الحاتمي ورد بأدب – أخي لا أدخن. علق الآخر – عجبا تشرب قهوة كحلة وكل هذه الجرائد وأنت لا تدخن! ؟ ابتسم إليه ولم يعلق خوفا من انضمامه لمنضدته ويفسد بذلك عليه كل شيء. بوجل خفي فتح الصفحة ليتابع قراءة المقال” تحل في مثل هذا اليوم الذكرى المشؤومة لمحرقة الظهرة بتاريخ الثامن عشر من جوان سنة خمس وأربعين وثمانمائة وألف للميلاد ” وضع الجريدة مفتوحة الصفحات. ارتشف من فنجانه بغضب داخلي. وثم واصل: ” بعد أن عاث جيش جرار للاحتلال الفرنسي تنكيلا وفسادا التجأت القبيلة وثوارها مع المواشي وبعض الحاجيات لداخل مغارة الظهرة احتماءً، ولكي … ” ومرة أخرى انتبه لضربات قلبه تكاد تسمع من الجوار فنهض وأخذ يسير… هو لم يسمع بهذه الجريمة ولا يعرف أين تقع هذه الظهرة أيضا.  فكر: عام إلا بضعة أشهر هو وجودي هنا طبيعي بأن لا أعرف أين تقع ذلك أن الجزائر شاسعة بل يطلق عليها ” بلاد شبه قارة ” ولكن الثوار لماذا التجأوا للمغارة ولماذا صحبوا معهم كل شيء، عجبا!؟ ولما أحس ببعض الإعياء والجوع أيضا قد بدأ يزوره أسرع من خطواته صوب المحطة ليستقل الحافلة لقريته البائسة. وبينما هو في اضطراب سمع صوتا نسائيا ينادي ” أيها الشاب المجلة سقطت لك؟ توقف. التفت للوراء وبالفعل كانت مجلة المجاهد الأسبوعي على الأرض خلفه. انحنى نحوها وشكر المرأة. ابتسمت في ود ظاهر… ثم خاطبته: أنت أستاذ؟ – لا. لوقت لم تستوعب الأمر. وأيضا لم تواصل طريقها حتى جعلته بنظراتها المتسائلة يوضح: أختي أهوى القراءة. وسكت وكأنه عاجز عن المواصلة. ضحكت وقد لاحظ بأن ضحكتها خفيفة وحلوة مع وجه أسمر وتكلمت، ربما لتخلصه من حيرته – أنا أستاذة تاريخ وأحترم كل من يطالع. أجل أحترمه كثيرا. فكر، هي إذن معلمة تاريخ فربما تعرف هذه المحرقة وأيضا مكانها إلى آخره. ولكنه أحجم فهو صرح لها بأنه من هواة المطالعة… إذن هذا يكون غير سليم في حالة سؤالها. وقبل أن يواصل الغرق في هواجسه قالت: أنت تريد قول شيء؟ ولم يشعر والكلمات تخرج من فمه: “هي مغارة الظهرة! ” هنا تيقنت بأنه يحمل هما ويريد الإفصاح عنه. قالت: هي تقع تقريبا في الغرب… أعدمت فيها فرنسا عرشا كاملا. نظر نحوها وتمتم في خجل: أنت لست معلمة وفقط بل مثقفة أقصد تعرفين تاريخ البلاد. وتقدمت إليه أكثر لدرجة جعلت عطرها ينتشر ويزور أنفه الفتي ولكن القلق. حدق بها بتركيز حتى جعلها تبتسم في عذوبة آسرة وتتساءل: أيها الشاب… المثقف، ألم تسمع ما أخبرتك به على انني معلمة تاريخ؟ ثم واصلت: وأدرّس تلاميذ المستوى متوسط؟ هنا بدأ يعرف ويتضح له الكثير…هي معلمة… هي مطلعة على التاريخ… هي جذابة… هي ناضجة…جدا… جدا. هي سمراء… آه، تشبه الحبيبة التي تركتها ذات مساء فضي الأضواء وحيدة هناك… هي ليست شابة… هي لم تفقد جمالها…آه، اللعنة هي مثيرة! وتنهد. كانت في أثناء سكوته تحدق إليه. بتركيز كانت تفعل. كل ذلك في هدوء وفي صمت بينما الناس غائبة عنهما. الناس لا يعنيها شأن كاتب شاب شبه ضائع وأستاذة تاريخ تجعل الرؤوس تدور من شدة جاذبيتها. وفجأة هتفت بصوت رخيم شبه أبح – أخي.. إن أردت الاستفسار على الأمر أي محرقة الظهرة وغيرها من عمليات الإبادة التي اقترفتها فرنسا ببلادنا فأنا أدرّس بمتوسطة الأمير عبد القادر. وابتعدت. لوقت، وهو لم يتلفظ بشيء، لم يستطع السير فقط كان يتتبعها بنظراته حتى غابت وسط الناس والتواءات الشارع الطويل.

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
عنابة / اتحاد عنابة/ تواصل الإستقدامات بقوة وبداية التحضير مطلع  أكتوبر.. خنشلة / إتحاد خنشلة :بوكرومة يعود لرئاسة الفريق بعد وعود السلطات المحلية عبد اللاوي سفيرة للأمم المتحدة للنوايا  الحسنة/ المدية / توزيع 3 حافلات نقل مدرسي على مختلف البلديات تحسبا للدخول المدرسي القادم قسنطينة / حملة تحسيسية للوقاية من حوادث المرور لفائدة سائقي الدرجات النارية عين تيموشنت /رئيس الدائرة يتعهد لطالبي السكن الإجتماعي بالإفراج عن قائمة المستفيدين بعد دراسة الملفا... باتنة / تواصل حملة جني التفاح للموسم الجاري وتوقعات بوفرة الإنتاج هذه السنة‎‎ عين تيموشنت/حملة إعلامية واسعة لفائدة أرباب العمل والمستخدمين المدينين يطلقها "كناس" عين تيموشنت . الوادي / مواطنو الشريط الحدودي بالوادي يطالبون يتزويد المراكز الصحية بأطباء اختصاصين قسنطينة / غياب الإنارة العمومية بالطريق الرئيسي الرابط مابين المدينة الجديدة علي منجلي وبلدية الخروب عين تيموشنت/إصابة 10 أشخاص في حادثي مرور متفرقين لحافلة نقل العمال و سيارة سياحية الطارف / انعدام الكهرباء يؤرق سكان المجمع السكاني 93 مسكن ببلدية عين الكرمة ام البواقي/ وفاة شخص ثلاثيني اثر سقوطه من الطابق الرابع ببلدية الضلعة. قسنطينة / بمناسبة شهر ربيع الأنوار / مديرية الشؤون الدينية تطلق مسابقة الخطيب الصغير وهران / *وداعا الغبن للمجتمع الوهراني * خرجة ميدانية لمعاينة مشاريع سكنية الترقويةLpN وهرانية