ثقافةرأي حرهام

اللغة هي” أخطر النعم” د/ أحمد بوعلام دلباني

مساهمات فكرية

المساهمة التي يسرنا ان ننشرها اليوم بموقعنا مساهمة فكرية للدكتور الشاعر أحمد بوعلام دلباني الذي يبرز في المداخلة المسألة اللغوية في الجزائر خص بها موقع الشرق اليوم والكاتب يعد من اهم الأساتذة في الجزائر له عدة مؤلفات في الفكر والابداع والدراسات التي تمس الجوانب الفكرية والثقافية.
القسم الثقافي

 

اللغة هي” أخطر النعم”
د/ أحمد بوعلام دلباني

يبدو لي أنَّ المسألة اللغوية في الجزائر وما يرافقها من صراع علني أحيانا ومُضمَر أحيانا أخرى لا تمثل، في حقيقة الأمر، إلا الجزءَ الظاهر من الجبل الجليدي. فهذا الصراع – فضلا عن أبعاده الهوياتية الظاهرة المتعلقة باللغة – إيديولوجي بالأساس؛ وهو يرتبط بخيارات سياسيةٍ وثقافية ومواقف فكرية ترجع إلى بدايات بناء الدولة الوطنية عشية الاستقلال. فانقسامُ النخب، يومها، لم يكن انقساما لغويا فحسب وإنما انشقاقا في التصور والمرجعيات الإيديولوجية المرتبطة بالبناء السياسيِّ والاجتماعي. ولكنَّ ما يُلفت الانتباهَ وما يُثير الاستغراب هو دوامُ التشنج الإيديولوجي التقليدي بين موقفين متصادمين ورؤيتين للعالم لا تكادان تلتقيان. ففي حين يرى أنصارُ العربية في حضور اللغة الفرنسية إرثا كولونياليا ومدخلا ثقافيا أو “حصان طروادة” يضمنُ أبديا تأمين مصالح فرنسا الاقتصادية والسياسية، يرى الفرنكوفونيون الجزائريون، بالمقابل، في اللغة العربية وتراثها معينا للأصولية الدينية ومعاداة الحداثة الحقوقية والسياسية والفكرية والتحنط في مناخ القرون الوسطى. هذا الصدامُ على ما أرى لم يستطع، إلى اليوم، تجاوز المُسبَّقات الثقافية والعرقية التي تأسَّس عليها التنابذ بين مكونات النخب الجزائرية منذ عقود. إذ يشهدُ الواقع الجزائري اليوم – ثقافيا وإيديولوجيا – بروز نُخَبٍ جزائرية مُعرَّبة تناضل من أجل سيادة رؤية مختلفة وغير أصولية للأشياء. وهي نخبٌ – أحسبني أنتمي إليها – منفتحة على منجزات العقل الحديث ومشكلات العصر وقضايا التحديث ولا تعوّل على ارتباط العربية بالمقدَّس الدينيّ من أجل إنقاذها. بينما لا يزال الكثيرُ من الكتاب الفرانكوفونيين عندنا يُعيدون علينا بصورةٍ مملة جدًّا تلك الغنائية المبتذلة – المتحدرة من محمد ديب أو كاتب ياسين وصولا إلى لحظة كمال داود – والتي تعتبرُ اللغة العربية “لاتينية” أخرى نطيل أمدَ حضورها بيننا
ما أردت أن أشيرَ إليه هو أن نبرتي التخوين من جهةٍ أولى والاستعلاء من جهةٍ أخرى لا تزالان تحكمان العلاقة بين المُعسكرين اللذين يبدو أنَّ بينهما – كما يُعبر البروفيسور محمد أركون – “جدار برلين” إيديولوجيا لم يجد من يهدمه كي يتمَّ تجاوز هذه الثنائية اللغوية التي تمزق الوعي الجزائري وتشطره بصورةٍ دائمة إلى شطرين. ويبدو لي أنَّ أسبابَ الصراع اللغوي – التي أصبحت في حكم الماضي عمليا – لم تقنع الكثير من الفرانكوفونيين الجزائريين بضرورة تغيير الخطاب العدائي التقليدي للغة العربية والذي لا يرى فيها إلا لغة ميتة لا يُمكنها أن تتنفسَ خارج مناخ المُقدَّس الدينيِّ أو السلطة السياسية الرجعية الباحثة عن شرعية لها في العودة إلى الماضي التدشيني بعد أن خسرت رهان المستقبل بفشلها على جميع المستويات. كأنَّ العربية منذورة – منذ البداية – لعناق الأبدية ومشلولة أمام مدِّ اليد إلى تفاحة السقوط في منافي المغامرات الإبداعية. ولكنني أعتقد أنَّ راهنَ العربية منذ أكثر من قرن من الزمان – عبر امتداد العالم العربي – يُبيِّنُ بجلاء قدرتها الإبداعية العالية واحتضانها المُدهش لإيقاع التحول إبداعيا وفكريا. إذ إنَّ تراجعَها وانكماشها أمام صيرورات التاريخ والمعرفة وتحنطها في حضن المُطلق والماضي يرجع إلى انسحاب العقل العربيِّ – الإسلامي لأسباب عديدة من مغامراته المُدهشة في اكتناه العالم والوجود قبل قرون خلت ولا يعودُ إليها باعتبارها لغة. أعتقد أنَّ هذا من تحصيل الحاصل. ولكن الموقفَ الإيديولوجيَّ لخصوم العربيّة لا يرى ملامحَ الحداثة في عقل فولتير وإنّما في لغته. كأنّ التقدمَ الحضاري يرتبط باللّغة لا بالعقل المُبدع
هذا من جهةٍ أولى. ومن جهةٍ ثانية أرى أنّنا أصبحنا، مؤخرًا، نتأرجحُ بين الخيارات التي نعتقدُ أنّها قد تُوفر لنا مفتاحًا يمكننا من ولوج مغارة «التقدم» السحرية. وها هي الحرب تندلع بين الفرانكوفونيين والأصوليين الذين يرمون إيديولوجيًا إلى شيئين: «تطهير» تاريخنا وواقعنا من رواسب الكولونيالية، وتجاوز شللنا العلمي والتكنولوجي من خلال اعتماد اللّغة الإنجليزية في الجامعات بديلا عن الفرنسية. ألا يمثل اليوم، على سبيل التمثيل، القرارُ الإيديولوجيّ المُتسرّعُ بضرورة اعتماد لغة شكسبير في الجامعة الجزائرية استمرارًا لهذا التشنج الّذي أشرنا إليه وهروبًا إلى الأمام في مواجهة وضعنا اللغوي المُتعدد بفعل الواقع وملابسات التاريخ؟ هل يمكن، فعلا، ولوجُ الحداثة التقنية والعلمية والتكنولوجية من الباب اللغويِّ قبل إصلاح أعطاب المنظومة التربوية المُتهالكة والماضوية والفاشلة، وقبل ترسيخ قيم العقلانية وحرية التفكير والانفتاح على العالم والتأسيس لشروط البحث العلمي الصحيح؟ هل ضَمن اعتمادُ اللّغة الإنجليزية التقدمَ المأمول لمعظم بلدان إفريقيا والعالم العربي التي كانت خاضعة للحماية البريطانية؟ المشكلة، على ما أرى، تتجاوز ما يصبو إليه من يريدُ الاستثمارَ السياسيَّ المُباشر في محاربة «لغة المُستعمِر» التقليديّ. وها هو شكسبير يحل محل فولتير بسهولةٍ لدى من يجهل أنَّ التقدم عقلٌ جديدٌ وشروطٌ تتجاوز البحث عن «لغة العِلم والتقدم”
إنّني أجدني، هنا أيضا، مُلزمًا بالإشارة إلى أنّ قضية اللغة في العُمق ليست قضية بحثٍ عن وسيلة أو آلة التقدم”، وإنما هي قضية هُوية وإفصاح عن الحضور المُتميز في العالم. لذا أرى أنه من السُخف أن نتناول إشكالياتِ اللغة في الجزائر من منظور التقدم والتخلف كما يتناولها المُعسكران المتناحران عندنا. اللغة تستطيعُ احتضانَ اللانهائيِّ كلما كان الفكرُ مغامراً والعقل مسكونا بالسؤال والبحث وقادراً على إضرام النار في قشِّ اليقين. ستتَّسعُ رقعة القول مانحة الكينونة بيتا بلا تخوم. فاللغة – كما يُعبِّرُ الشاعرُ العظيم هولدرلين – هي “أخطرُ النعم” فعلا ما دامت قادرة على انتشال الوجود من العدم وخلع جُبَّةِ الضوء على غبار التاريخ

د/ أحمد بوعلام دلباني

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
الطارف/ قضايا الفساد وخيانة الامانة تقضي بثلاث سنوات سجن نافذ في حق 3رؤساء تعاقبوا على بلدية الشط. باتنة / جريمة قتل شنعاء راح ضحيتها شاب بولاية باتنة الواقعية والمجتمع الكامل / إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن أخر نص للشاعر الفلسطيني ناصر قواسمى / الأردن بعد الخمسين ام البواقي/ حافلات النقل الحضري بام البواقي تتعرض للرشق بالحجارة وتخريب زجاجها من طرف الاطفال بطولة الرابطة الثانية للهواة لكرة القدم: - مجموعة الشرق:  - نتائج الجولة الرابعة: باتنة / اكتشاف بؤرتين لسلالة إنفلونزا الطيور بكل من بلديتي وادي الطاقة و سريانة بولاية باتنة الطارف / انطلاق مشروع تهيئة حي 80 سكنا بقرية عين علام الذرعان الطارف/ كيف نقرأ الشعر ونسمعه فينا اصبوحة شعرية بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية ام البواقي/ جمعية فكرة وبصمة بعين مليلة تقوم بتدشين عدة رياضات جديدة لفائدة شباب المدينة. الثقافة عامل حاسم في ممارسة المواطنة محور لقاء بالجزائر العاصمة ام البواقي/ مديرية الشباب والرياضة بام البواقي تنظم خرجة سياحية لجبل سيدي رغيس لفائدة النساء. بطولة الرابطة المحترفة الأولى لكرة القدم/ - الجولة ال16 - دوري ابطال افريقيا لكرة القدم: - المجموعة الثانية: الجولة ال3 عنابة / القوات البحرية للجيش تنقذ 5 بحارة بعد احتراق مركبهم بشاطى راس الحمراء
إغلاق

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (0) in /home/elcharke/public_html/wp-includes/functions.php on line 4755