ثقافة

الشرق اليوم تنشر رواية ” لص في مملكة الاحرار ” للاديبة الصاعدة ازدهار بوشاقور

لِص فِي مَمْلَكة الأحْرار

إيداع قانوني 2006/1904

ردمك 4-76-831-9961

بعد أحداث 05 أكتوبر 1988 ، وبعد سلسلة التوترات في الشارع

الجزائري إستنكارا للأوضاع المزرية للجزائري تتغير النظرة ويحل

الجديد .

يمر الإستفتاء على الدستور الجديد 23 فيفري 1989 بسلام ، وتنظم

إنتخابات 26ديسمبر 1991وفازت فيها جبهة الإنقاذ الإسلامية

بأغلبية 82% ب188 مقعدا أي منصب صنع القرار. لقد مرَّ عهد النظام

الواحد والذي تفرَّد بكل ما تَحمله اَلية التحكم من تحكم في السياسة ، الإقتصاد والإجتماع

والذي شدَّ البلاد بكل قوة السلاح ، هي ذي بداية الثمانينات وحكم المشايخ لا يزال

سارٍ ، ولأن الإنسان بطبعه يملًّ الروتين ويملُّ الحياة الحنظلية ، مرارة الأنظمة المتعسفة

يطل فيها العقم علة كافة الأحوال الإجتماعية ، فلا اَفاق عملية تولج عن بُعدٍ مُرسلة شعاع

الأمل لِيندلِج ضِياؤه ، ويوم بعد يَوم تغرق البلاد في ضلال الضياع ، إنَّها البؤرة ولا مفر

منها … الواقع ينبض مرارة والأنفاس تبكي تضمُرًا وتصرخ من إحكام القيود المُكبلة .

فلا أحد ينكر الأزمة العالمية والداخلية التي عشناها وعانينا منها المرارة .

وهاهي أمسية 11جانفي 1992……..

وهذا المساء تحلُّ المفاجأة ، السيد الرئيس يخطب في الأمة على الجميع الإنتباه إلى ما يقوله

الكل يسمع إلاَّ من صَغُر سِنَّه عن الإدراك ، هي الثامنة يجلس الرئيس ليُلقي الخطاب .

وبعد أقلِّ من خمسة دقائق يَعرف الجميع مُبْتَغى الرئيس .

إنَّه يُقدِم إستقالته وإعتزاله كرسي الراَسة ، الحقيقة  التي كانت مختبأة وكشف عنها الستار .

” سيداتي ..سادتي أعلن تخليا عن منصب الراَسة في ساعتها ، لا لسبب أو لاَخر، إنما هو

الواجب الوطني ، ويجب تلبية النداء ..”.

كان خطاب السيد الرئيس أقوى مفاجئة وبداية لنهاية عهدٍ ، وبداية عَهْدٍ جديد ….أو ليس

الزمن كَفيلاً بمعالجة نفسه بنفسه . وفي 12  يناير 1992 قررالمجلس الأعلى للأمن

إلغاء نتائج الإنتخابات التشريعية .

..بخطاب الرئيس ينتهي عهد الحزب ، أو عهد الحُزمة

الواحدة لتدخل البلاد زمن الديموقراطية ….والتعبير المطلق الحُر ، لتكوَّن كُتل حزبية …

وبما أنَّ من حقِّ كُلِّ مَن له ماضٍ سياسي ، وحنكة سياسية ، وكذا قُدراتٍ كافية يخوض

بها غمار هذا الطريق ، إذ لم يَطٌل عن ذلك شهور فقط لتشهد مسَارح الساحة الجزائرية

نمو عدة أحزاب …وما هو بالوقت الطويل حتى إلتفَّ الشعب حول من مال له ، وإلتمس

فيه مبتغاه ، وأكثر هذه الكتل تصدرًا وشُيوعًا تلك المتصلة بالواقع الإجتماعي والتي

تغطس بدفق قيم الشعب وأصالته ، وكان بالمقدمة التلل المسافرة سماءات عن الأرض .

وإستقطبت السخاء الأعظم من الناس .

ولأن للطريق خصوصيات أغوارها مبادئ يحط عليها المار ، وإتباعًا ومراعاة لأعمدة

تسند قوامه .

وتتوالى الشهور وهاهي  سنة 1992  تعبر في الزمان .

وبعد إنتخابات بلدية كانت بالأغلبية في بعض الولايات تتعاقب الأيام وتتوالى .

تجهَّم الزمن ورعد البرق سبقه الحزم المخضوضب ، قصفت رعشات الريح مولودًا

حمل الرجف وهواء رجاج جعل القوة بيده ، وعلى عمق أمتار مدت زُبر الحديد تنظر من

ثقب الأرض ، ولأن بالبلاد أقليات يضمن لها موقفها الأثر الظاهر ، ميزابية وتورقية و

أخرى بربرية حرة تصل مجملها إلى 25%ما قلَّب الموازين ورجف الحال ، قُلِّبت نجمة

المساء زهرة لبنٍ ثلجية وهبت زوبعة الفنجان مسخنة الأفكار في الفكر .

16يناير 1992بوضياف يترأس المجلس الأعلى للدولة ، وفي مارس 1992حًلَّ حزب

ج.إ.ن ” جبهة الإنقاذ” وحُضرَ عن المشاركة في الحياة السياسية.

وكثر الكلام وإلتقى فما يزري بكل ضياء ، ورزق الدهر الضجر وفرح الشر وكشَّر، وكان

الفرح في عرضٍ لا يكاد يتكرر ، والخشية من الإنزلاقات جحَّظت النظر ، وتنقضي اَثار

علامات الليل ، وإحمرار الأفق ، إنفتحت الأحداث على أخرى تنهي الزوارق وتشيد إنشاء

ذهني لا لون له ، ذات حس دافئ وعين شزراء عن شطري الدهر ، لحياة مربعا سحريا

يقلِّب موسيقاها قانون النغم .

جاءت العشية التي يعلن فيها شدف المتاهة عن الإدارة لتولد لحن سير زفاف في ترجمة

تاريخية للحياة ، من مواقف تسير رتلاً إلى هرولة تصافح النجوم .

هذه النهاية بداية لنشاطات سيجت الحال ، فلم تزد السنين أيامًا حتى إستشاطت الأمة غضبًا

وأصبح الكل سيان ، ونبتت سَوْءة أشعلت السكون ، ووقفت أمام ثقل الحمل ونثرت سوء

البخت إستحم الوجه بشعور دخيل ، تسارعت الأيام وإستمر الضلال معها .

ولبس السلوك حمى تغبط الجمال عله ينقض الاَثار فيرسم المبسم .

كل يصب في وادي واحد ، الكل يضطرب يتألم يتضمر ، دخلت البلاد نفق مظلم يذرف

شظايا الدمع في البهتان ، حيث تطايرت براعم الزهر سوسنات حِسَان .

وهاهو شهر جوان يحل ويخرج الرئيس بوضياف للقاء مناصريه في مدينة عنابة أو

مدينة “بونة” الجميلة وفي 29 من شهر جوان 1992 يجلس أمام جمهور غفير بقاعة

فسيحة ، ولا يطول خطابه  وهو في راحة من حديثة وفي غنى عن القناص”مبارك

بومعرافي” ملازم في القوات الخاصة ، الذي كان يترقب تحركاته من راء الستار .

حتى يعلو الرصاص ويسقط الرئيس بوضياف على الطاولة جثة هامدة .

كان هذا الحادث بداية لعهدة مع زمن جديد .

دخلت البلاد مرحلة إنتقالية وتعاقب عدد من الرؤساء على كرسي الرئاسة واَمالهم

إستقرار البلاد وعودة الطمأنينة  للعباد .

هذه سنة 1994عام لا مثيل له ، أكثر ما إكتوت فيه العامة بنيران الظلم والتعسف

كل تربة وكل خصب ، كل جبل وسهل شهد فعل وعمل متطرف .

المدينة تعرف هدوء وإستقرار لم يذرف عليه الرماد بعد ، ولعل عين الحاسد ماكانت شعلتها

جمرٌ عكسته أيام جاءت في المستقبل الغير بعيد .

يخرج هذا المساء أحمد يتمشى كما إعتاد ذلك ، ولأن هدوء الصيف ورومانسيته تجتمع عند

العشية ، حيث تتحدث الشمس للمغيب ، والسحاب لزرقة السماء ، ويداعب الهواء

الأشجار ، الأطيار والأزهار .

أحمد الولد من الأم الثانية لرجل غواه المال وتقاضى راتبه بالعملة الصعبة ، هذا ما فتح

أمامه العين على النساء والتمتع بجانبهنَّ .

يكبر الطفل ، وحينًا فاَخر وساعة بعدها الاَخرى يُصبح من كان طفلاً شابًا يافعًا وما إن

يستقيم عوده ، يزوِّجه الوالد بحُرِّ ماله ، بالرغم من عدم إمتلاكه أي منبع يرتزق منه ..

إلاَّ أنَّه سيستفيد من مال والده ، يعيش الشاب في بقعة شعبية ، غالبية قاطنيها فلاحي

أراضيهم فالمنطقة معزولة مُحاطة ببساتين الحمضيات .

أراضي طرقاتها لا تزال ترابية ، لا  إطار ولا أرصفة يحد لها حدودها .

بقعة الحاج عابد أو أولاد الحاج عابد كما يشتهي البعض تسميتها ، أرض اَهلة تبعد عن

المدينة بأقل من 04كيلومترات ، ولأن خصوصيات طبيعتها وحالة أحوالها توضحت في

ناسها صنفت ووضعوها ضمن قائمة الرقع النائية …أكثرها لا أثر لعناصرها الأمن مما

سرَّع نمو الجريمة في أركانها ، لتُبيضَ وتحفر عش تضمن توارثها .

حتى المؤسسة التعليمية الوحيدة ، والمنبع المُنير للأطفال غلقته الأيدي الممتدة في السنة

الأولى للجحيم .

وعلى  الرغم من إمتلاك أحمد لأصحاب وأصدقاء إلاَّ أن مشاهدته وحيدًا يتمشى ليلاً نهارًا

بين البيوت البالية لفت إنتباه ناس الدوار غير بعيد عنه فهو يدري ما يزاوله الأهالي من

نشاطات ، حتى ما خفى منها من أسرار البيوت أفرادًا وأزواجًا ، وما عُرف عليه أنه

إنسان حقاني ، مائل للنزعة الجماعية ، شجاعًا متواضعًا …لكن إنخفاط وزنه جعله

كَيلٌ لشخصيته وأوضاعه بدأت تتلاشى ، فكان عليه قلب الموازين وإعادة النظر حوله ..

ومع ما عرفته البلاد من سنين قهر ، يخرج أحمد ليجلس إلى أصدقائه تحت شجرة الليمون

المعزولة في طرفي الطريق مُنظمًا إلى جاسم ” و”إبراهيم” وحَمَد” وشيئًا فشيئًا يَنظم إليهم

بقية مشاييخ الدُوار ….أناس قليلون ، وأُسَرٍ إنتشرت هنا وهناك بعدما عزل غالبيتهم .

جاسم : هل مرَّ عليكم الطير ليلة البارحة ؟ متجهًا بالكلام للجميع ، راميًا سهمه إلى الجالس

أمامه … ليردَّ عليه “أحمد” وكأنَّه لم يفقه ماقاله صديقه :

من تقصد ؟

ودون ملمح يمتقع لونه وكأنَّه الخبر دخيل عليه ..

أحمد : هل عادوا ليلة البارحة ؟

جاسم : ولَمُّوا الدراهم …وأنا نفسي أخذوا من عندي مليونين سنتيم .

أحمد : يالله ويمسح بيده على كامل وجهه .

فأحمد وعلى الرغم من قصد الجماعات المسلحة للقرية ، إلاَّ أنَّه في عزلة عن كل إشارة

وبعيد عن أعين القاصدين الذين كانوا يقصدون الأهالي لجمع المال تحت غطاء المساهمة

في الحركة الجهادية التي يقومون بها .

…أيام قلائل يتزوج فيها أحمد من إمرأة يختارها له والده ، ويقيم عرسًا واسعًا فاخرًا

إنبهر له كل حاضر ، الشاب محفوظ بالنعم وواليه الوالد .

أقيمت الأفراح في جو محافظ على تعاليم إسلامية متأصلة .

في نفس الوقت كانت الأشغال مباشرة ، وعلى وتيرة فاقت السرعة ذاتها وهاهي “الفيلا”

على نهايتها مسكنًا منفردًا للإبن .

وهاهو عام 1994يحل متأنيًا ، وفي أوَّل ليلة منه ، قعدت الأيادي الاَثمة على عيون شباب

القرية ، أربعتهم عادوا في عطلة إلى أهاليهم من الخدمة الوطنية …أصبحت جثثهم

مرمية على قارعة طريق أشجار البرتقال ، جريمة بشعة عكست بشاعتها وجوه الضحايا

تدلت رؤوسهم بالدلاء في المياه تتراماهم من هنا وهناك ، ثياب ملطخة بالدماء ، أين

إلتصقت بجلودهم العارية إلا نصفها ، مناظر كلها بشعة وفظاعة …إنها خيوط ومشاهد

لمسلسلات متكررة ، ألفت مشاهدتها وسماع وقائعها كل ساعة وكل يوم ، ما جعل رجال

أمن الدولة يصنفونها ضمن المناطق الإرهابية المحظورة .

في نفس اليوم يظهر أحمد على متن سيارة من نوع “بيجو” اَخر ما أنتج في عالم السيارات

هاهو يدخل القرية رويدًا ، رويدًا وعجلات السيارة تعكس شعاع الشمس ، فتظهر في

حركات دائرية كأنها اللؤلؤ عائدًا من المدينة حيث مسكنه الجديد أصبح جاهزًا .

هذه العشية تشيع جنازة من ظفرت بهم الطيور الجارحة فأبعدتهم عن الأهل …وفرقتهم

عن الإخوان ، يتبعهم كل من شاهد الجنازة فهي ذي الدنيا ، مزيج من الخير والشر .

متقلبة لا تستقر على حال ، والناس فيها فريقان ، فريق أسعده الحظ بها فهو راض سعيد

وفريق جانبه الحظ غاضب نادب عليها .

ولأن الفوضى واردة ، وعمل على تفاديه وتحسبًا لحوادث شعب تترائ بعيدة ، وفي

رؤية واضحة وموقف ظاهر ..أقيم حاجز تفتيش على رأس الطريق الخارجي ومنه

إلى العبور نحو البقعة …كما إنتشر هنا وهناك رجال الأمن في زيهم المدني بلا شك

لتقصي الحقائق …وسحب الوقائع من الأفواه ، ومن أفراد القرية من حمل السلاح بعدما

رخصته له الجهات المعنية ..هؤلاء هم المؤمنين بالموت في سبيل الحرية لأنها أشرف

من الحياة في ظل الإستسلام ومن مات معتنقًا السيف عاش دائمًا حرًا اَمنا بشهادة الحق

والخلق ، كلها مبادئ ملأت بها الأيدي الفارغة …وصاحت بها الحناجر المذبوحة التي

تربط ما بين بني البشر جميعًا .

أم إبراهيم إمرأة تعيش وزوجها وإثنان من أولادهما ، هما الجيران الأصليين لأحمد …

لا تزال المرأة تبكي إبنها الذي بلغ من العمر الأربعة عشر سنة ، أين إختطفته مجموعة

متكونة من ثلاثة أشخاص ملثمين إقتادته إلى طريق معزولة ليتم إغتياله ، منظر الحادثة

المؤلمة ومشاهد الفاجعة لا تزال تترائ للأعين ، وما ترك الأثر باديًا في نفس المرأة

التي لا تزال تبكيه ، وخاصة لم يبقى لها من الأولاد إلا إبن عاجز عن المشي ذو خمسة

سنوات ، أما الوالد شعبان فهو من صبر والصبر هو ضياء ، إنسان مؤمن يدرك معنى

قول رسول الله ” الصبر ضياء” ، منظور الأسرة يوحي بحالها …هذه الحال التي لم

يشفق عليها أحد من الظغاة .. المشكوك فيهم أناس من أهل المنطقة ، أو أن يكون المرشد

من بينهم ، وهذا مازاد الغضب في النفس بتصرفهم أبعدوا أنفسهم عن الرجولة الحقة

وتصرفوا بعقلية المرأة الضعيفة ، لا الرجل القوي ، فشحنوا نفسه حقدًا ، وملأُ قلبه غيظًا

بأفعالهم وتصرفاتهم الغير لائقة ، وعصروا عظمة اللسان بعصيان مسلَّح .

تمرُّ الأيام والشهور ، والبقعة تعرف من التدهور وحالة اللإستقرار ما يشيِّنُها يوم بعد يوم

الكل يبحث عن الرأس المدبر والكل يبحث عن مصادر الجوسسة .

أحمد بعينه هو ووالديه وزوجته وإبنه يحيا حياة ولا أروع منها ، بيت به حديقة واسعة

وبدل السيارة إثنان ، رفاهية ورغد عيش ، ما يحسد عليه كم هم الذين يريدون وخاصة

الشباب يريدون تحصيله ، ولكي تبلغ ذلك عليك التخلص من القيود المُكبلة للسواعد و

القناعات الطاغية على العامة ، القرية بها من العائلات ما يعد على الأصابع ، فمنهم من

ترك الأهل وهربًا من غدر الأيادي الظالمة ، واَخر فرَّ بإرادته .

أحمد وعلى الرغم من الظلام الخانق الذي تحياه البقعة ، إلا أنه بقي فيها وعلى الرغم من

سكنه المتمم عن اَخره والذي إنتهت به الأشغال منذ زمن إلاَّ أنَّه عمَّق النظرة بالمسألة

وبقي بعيدًا عن مضايقة أية جهة .

سي الطاهر الرجل العجوز يعيش وزوجته الثانية وأولاده من زوجته الثانية أكبرهم

جميعًا فتاة متزوجة وتسكن المدينة .

نوال البنت اليتيمة أكبر من خلَّفتهم الزوجة الأولى ، فتاة ذات الخامسة والعشرين ربيعًا

لم يسعفها الحظ التعليمي أكثر السنة التاسعة أساسي ، ومما لا بد منه مكوثها بالبيت

لأنه لا جدوى من مزاولتها الطريق ذهابًا وإيابًا دون طائل ، وخرجات هنا وهناك لا طائل

من ورائها لتستقر أخيرًا بالبيت ، بإستثناء بعض التدخلات اللازمة في الحياة كحفلات

الزواج ، جنازات الوفاة الملزم والواجب على الإنسان مزاولتها والرغم القيام بها .

كانت نوال بين الفينة والأخرى تقصد بيت أختها الكبرى في المدينة ، أين تقضي معها

أيام للترفيه والترويح هن النفس ساعة إكتاَبها وإنطوائها الداخلي ، ما بحاجة إليه لتغير

نمطها ، وضرورة إقتناء الجديد من أيام الحياة  ضرورة لا مناص منها ، إذ لم يقوِّيها

الصبر والتحلي به .

زوجة الأب وعلى الرغم من أنها إمرأة ناضجة ، أنجبت من الأولاد بنت وثلاثة ذكور

لم تغنيها ذريتها عن تفادي شرارة التمييز ولو بشكل شكلي .

ما جعل  البنت نوال يحظ في نفسها الضياع الذي يكتنفها حينًا ويحزُّ بأعماقها مرارة الوحدة

ليُصبح ضرورة ملحة ، جعلت من الفتاة تبحث عن البديل ، دنيا تحملها وتَحْمِلُ عنها .

وهاهو يتقدَّم إليها كم من عريس منهم من أولاد الجيران ومنهم من إستقدمته لها أختها

لكن لاحظ  ولا مكتوب بينهم .

نوال : هل صحيح ما سمعته من كنزة ؟ وهي أختها من أبيها ذات الستة سنوات .

ترد عنها الأم وقد كانت إلى جانبها :

ماذا تقصدين ؟

نوال : هناك من تقدم …؟

وقبل أن تكمل تبادرها الأم:

لا إنَّه شريك والدك الجديد ، كان يتحدث عن الأرض والغلة وكيف تتم الشراكة بينهما .

الجار أحمد أعز أصدقاء العائلة حيث نشأ وعاش بجانبهم ، وأقام علاقة متينة بين

جميع الأفراد ، وكما تعوَّد أحمد التمشي معية الشفق الأحمر ، والفصل خريفًا ، ونسمات

هوائه القليل تداعب الأجساد ، هاهو الاَن يتهافى السير

أحمد رجل ذو الثلاثة والثلاثين له من القوة البدنية الهادرة ، تراءت من قصر قامته وقوة

عظمته على الرغم من نحوله ولون بشرته البيضاء ، تمايلت بعض الشيء إلى سمورة

فاتحة ، ووجه عريض وعينان سودوتان توسَّط الوجه أنف عريض ، تندته شفاه رقيقة

نبتت أعلاه شنبات بشعيرات رقيقة هنا وهناك .

ما كان يُميِّز أحمد هو لباسه الدخيل ، فبعد السروال الطويل والقميص يُعرج إلى عباءة

تدنت بشبر أسفل الركبتين ، وقد غطت سروال حريري أبيض مغشي بخطوط ، يظهر

تأثره بالروح الإسلامية الملتزمة .

سار أحمد وأشجار الحمضيات مساحة بعيدة مع أعين الأهالي من كانت تتبعه وهو يطأطِئ

رأسه أسفل الساقية ليعبر إلى أراضي مزروعة حبوبًا ، ومزروعات شتوية .

يبتعد متخطيًا الوحل متبع المشي على حافة الطريق ، وفجأة يبتعد ويغيب في الظلام

تاركا خلفه شك غريب.

يصل إلى قبو مبني من القصب الجاف والتبن الأصفر ، والأجور المحاط به من كل جانب

تاركًا الفوهة الأمامية فقط ، وركز الباب إلى أعمدة حديدية ثبَّتت وقفته .

أحمد : السلام عليكم ، وينزلق إلى وسط القبو .

يرد عنه اَخر : وعليكم السلام وعلها كانت مجموعة من الأصوات أصحابها مثبتون ، و

كثيري العدد .

إرادة أحمد إرادة قويّة ، و صاحب رأي وشجاعة يتوافق ومراده ، وأكثر ما عرف عليه

بين قومه وذويه ذو عقل راجع ووقار وإتزان .

تدخل نوال إلى بيتها ، فإذا بها تسمع كلامًا مختلفًا بين أخذ وعطاء …أناس بالداخل .

نوال : هناك ضيوف عندنا ؟ متحدثة إلى نفسها …

تقف بجانب باب الصالة وهو ما قبل الباب الخارجي مباشرة ، تستنزف السمع يصل

مسمعها صوت إمرأة تقول :

لقد سمعنا عليكم كل خير …سمعة طيبة وأصل أطيب ..وهذا يكفينا ؟

تتراجع نوال إلى الوراء …هناك من هي خارجة ، لتصل مسمعها صوت زوجة أبيها وهي

تستأذن :

سأعود حالاً ..

ولحظة إنعراجها نحوى المطبخ تلتقي نوال واقفة .

الأم: اَه نوال متى عدتي ؟

ترتبك الفتاة وتتبعثر الكلمات لديها لتختفي أغلبها عن لسانها ؟

نوال : الاَن فقط أدخل .

الأم : تعالي ، تعالي معي إلى المطبخ ساعديني ..

تستبقها المرأة لتلتحق بها نوال ..في خطى متسارعة يدخلا مع بعض ..تأخذ الأم إبريق

القهوة وهي تقول لنوال :

أتعرفي لماذا قَدِموا ؟

نوال وهي ترتب السينية :

لا ما نعرفش علاه ؟

الأم : هؤلاء جيران أختك في المدينة جاؤوا يطلبون الحسب والنسب فيكِ ..

تتخبط الأواني في يد الفتاة ..فينزلق الفنجان من يدها .

نوال : من ، أنا ؟

تبتسم نوال إبتسامة عريضة وتعاود …يريدون خطبتي ؟

الأم : نعم أنت .. وهي (تبتسم ): كما أنَّ الرجل من الطراز الجيِّد .

تشدُّ نوال ذراعي والدتها وتقترب منها …

نوال : من هو .. هيا قولي من هو ..؟

الأم : تمهلي ، تمهلي ستُسقطي البُرادة من يدي ..؟

تضع الوالدة كل ما بين يديها وتستدير نحو إبنت زوجها :

إسمعي إسمه قاسم ، ويعمل كصيدلي وله سكن خاص ، هل يوجد أحسن وأكثر من هذا ؟

تضع نوال سبابتها على شفتيها في حين الإبهام أسفل الذقن .

وتغرق في التفكير والتذكُّر لقد خطر ببالها خاطر قاسم ، وهو شاب يعمل اَه ، وتتوقف عن

الكلام ترد عنها الأم وقد لاحظت إستغراقها في التفكير ، والتي تحمل السينية وقد وضبتها

على أحسن حال :

ماذا ، هل تعريفه ؟

ثم وهي تهم بالخروج ترد عليها نوال في مهل :

هو ذا الشاب ؟

وقبل أن تكمل كلامها تخرج الأم وهي تقول :

سأعود حالاً..

تأخذ المرأة القهوة لضيوفها ، بينما تخرج الفتاة مسرعة في أثرها لتنصرف إلى غرفتها

ولأنها كانت على الجانب الاَخر من البيت تندس بجنب والدتها لتمررها .

الأم : تفضلوا القهوة ، أذهب وأعود إليكم حالاً ؟

تسرع الأم إلى غرفة نوال ، وتستعجلها لتهيئة نفسها .

وما إن تدخل الأم إلى غرفة إبنتها ، وقبل أن تلمحها كاملة تبادر :

ماذا تفعلي (وقد وجدتها تقيس فستانها الأبيض ) .

وتواصل : ماهذا ، إنزعي إنزعي …

تنظر الفتاة في وجه أمها بغرابة ظاهرة.

الأم : الضيوف جايين ليروك ، لذا عليك أن تدخلي لهم بلباس محتشم .

وهذا ما لم يرق نوال التي كانت فرحة بفستان العروس ، تقول وهي تهم بنزع ما لبست :

وماذا ارتدي ؟

الأم : إنه اَخ لباسه خاص .

تنظرها نوال وهي تدرك ما تقول أمها كحقيقة وواقع :

وما المانع في اللباس ونحن بالبيت .

تذهب الأم إلى الخزانة وتفتحها :

تعلمين بكل شيء ن وتفعلين غيره ن وتأخذ الأم لباس حتى أسفل الكاحلين ، تأخذ من

مرفعٍ اَخر خمارًا .

الأم ك خذي هذا يلائم قعدة النسوة .

حقيقةً كانت نوال فتاة متدينة وهي من تاقت لزوج مسلم ورجل دين وذو خلق مستقيم ، هو

مبدأ وإقتناع وهو الكفيل والقادر على صونها ، ومن سيرقى بها إلى الصفوف والمكانة

الرفيعة ، ودعم الفتاة خصالها وقد كانت ذات عزيمة وإصرار وميل إلى حياة الجد التي

لا هزال فيها .

قد تدرجت حياتها من الذبول إلى الطمأنينة والإستقرار ، ما عكسته تصرفاتها وترجمته

حياة من مذاق البصل إلى أشهى من مذاق العسل ن مُشقًا لنصٍّ التفكير الشاغل .

تتوالى الأيام وهاهي نوال تُعِدُّ لإحياء أيام الفرح بتجهيز مستلزمات العرس .

الزوج قاسم من تكفل بإحضاره الجار أحمد مسمسرًا في نوال مشيدًا بخصالها ، قيل عنه

أنه صديق ، واَخر قال عنه أنه من متانة الصداقة كالإخوة في العلاقة ، لكن بين هذا وذاك

هو من معارف “أحمد”.

في مساء يوم صائف من صيف 1994 ، تخرج نوال إلى بستان الحوش ، وهي رقعة

أرض مربعة الشكل على الجانب من المسكن أين يلتصقا مباشرة ، حيث زرعت أشكال و

ألوان من المزروعات ، وعلى الحوافي سواقي ووديان وأعشاب ، ما يستعمل كتوابل

بإختصار ، سنفونية تعددت بها الخضر وتنوعت فيها تستلزم مائدة البيت .

كانت نوال فأرقى حالتها النفسية ، وسط هذه الزركشة تترنم تارة وتشدوا  أخرى ، حاملة

بين يديها قفة تضع بها ما طاب من جني .

نوال وعلى روعتها ذات بنية مُبْيضة ، قصيرة القامة في غير إكتراث ، لون بشرتها بيضاء

صافية وما كان يميزها ويجعلها منفردة عن بقية إخوتها الذكور والإناث ، نعومة وصفاء

صفحة وجهها ، وصغر قدها ، وأكثرهما جمالاً يديها الصبيانية ومساحتهما حيث كان

صغرهما ظاهر للأعين ، أما صفحة وجهها ذات الإسمرار الفاتح ، ما أظهر خرسات

مطبوعة على الوجنتين تظهر كلما ضحكت ، أما عيناها فواسعتان وسع أحلامها ،

يعلوهما حاجبان مثلثي الشكل مصمم من نفسه .

أما الشفتين فرسمتا على خط رقيق ، سبقتها رجليها إلى شجرة اللوز المتربعة على حافة

الحقل ، هاهي تقف وحيدة هادئة وفجأة تصل مسمعيها وشوشات ، رنات خفيفة تنساب من

تحت أشجار التين التابعة لبيت أحمد .

تأخذ جذع الشجرة إحتماءًا لها ، وهاهي تدنو برأسها تسترق السمع من بعيد كلمات لا تكاد

تفهم معانيها .

يقول أحدهم يريدك الحضور هذه الليلة ؟

الصوت الاَخر : هذه الليلة ، وعن الأمن ماذا نفعل ؟

ينفتح فم نوال عن دهشة ، تعقبها عيناها توسعًا ثقل المضار .

نوال : هذا الصوت ، هذا الصوت ، هذا الصوت مستغرقة في البحث ، لأنه قريب إلى ظنها

ويغيب عن فكرها  لأنه لا يكفي السمع لمعرفة منْ هو الشخص المستور .

وعلها لم تستطع التصديق ، تصرح البصر نحو مصدر الصوت ، تُرجع رأسها بسرعة .

نوال : يالله إنه أحمد ، جارنا أحمد ، وبرفقة رجال غرباء ، تضع عينيها في الأرض و

كأنها تستدرك شيئًا فاتها :

ربّاه ، رجاءًا تضع يدها على ذقنها وتواصل :

وماذا هناك ، ربما يكونون أصدقاء ويبحثون في مشاغلهم ، وأعمال تخصهم .

وتعاود النظر :

اَه لا يزال يتحدث إليهم ، لكن \إبتعدوا عن المكان الذي كانوا فيه .

نوال : ربما سمعوني تحدث نفسها ن من بينهم رجل ذو ذقن كثيف الشعر ، وعباءة

محصورة أعلى الركبتين ، أسفلها سروال خفيف وقصير .

أتراهم من أصحاب الليل والخفافيش التي لا تظهر إلا في الظلام ؟

تترك نوال المكان مسرعة إلى البيت ، متأبطة قفتها ، مكتفية بما حملته من خضر ن وتولي

مسرعة والخوف والدهشة يعرقلان خطواتها .

يختفي أصدقاء أحمد عن المكان ليبقى واقفًا لوحده ، واضعًا يديه على خصره ويتمتم كلمات

القريب إلى شفتيه لا يفقه معناها .

ثم يستدير نحوى داره ليدخل مسرعًا وقد بدت على ملامحه مهمة القيام بالشيء .

زوجة أحمد إمرأة عاقلة “صوفيا” لها من الأولاد معه الإثنين .

يخرج أحمد مسرعًا تلحقه زوجته صونيا :

أحمد ، أحمد لا تنسى إحضار ما قلت لكَ عنه .

يرد عليها بعجلة وبإشارة القبول من يده اليمنى ويمتطي سيارته ، ويمضي مخترقًا عباب

الأرض بالعجلات المطاطية بإتجاه المدينة ، كانت الساعة تقارب السادسة مساءًا ، والشمس

الصيفية لا تزال تلفح الأجساد ، والأوجه على الخصوص .

يخرج أحمد من فيلاته ، وقد غيَّر ملابسه وإرتدى سروال وقميص ، وغلق الباب خلفه .

كان أحمد “ابن الحاج ربيع” من أكبر المجرمين الأوغاد ، مُكلفًا بسرقة الأعمار في وضح

النهار ، برشام القتل سهل عليه بلعه وببراعة وإحكام ، وهو بمثابة عمل لرجال الظلام

متبعًا الخنق والضرب بالخنجر ، يعلو إختصاصه أسلوب المخادعة كل هذا تحت قناع

التكتم ، والإبتسامة التي لا تفارق وجهه مذكيًا ذكائه وشظايا فطرته المتبقية على

ركام روحه المتحجرة ، وبراعته في تفويت الفرص على رجال الأمن ، خطوات

لا يقوم بها إلا علفوت محنَّك عارفًا بأسلوب المراوغة ، متدرب بإمعان على كيفية

إقتناص الفريسة بين ذاك وذاك .

هو الرجل الإجتماعي في الطباع ، علاقته بين الأصحاب والجيران والأقارب وكذا

الأحباب على أكملها ، رجل سلوم خجول ، مفعم حيوية ونشاط .

الخفاش لا يعرف تحركاته أحد ، حركاته متفرقة وفي الغالب الكثير يكون مع نزول

الليل ، لأن ضوء النهار يكشف الحقائق ، والنسور الكاسر خطر عليها بزوغ الشمس

وكشفها الوقائع .

شهر جويلية من عام 1994يوم الخميس القادم حفل زفاف نوال على بلقاسم ، التحضيرات

ماضية على قدم وساق ، والبيت يعج بالحركة ، ولم يبقى على الموعد سوى يومين

الخالات والعمات ، والأخوات ، الوالد “الطاهر” أول المحبين والمسرورين بزوج البنت

رجل دين ومتعلم عاقل ومصون .

هو ذا الذي سيكفل الحياة الظريفة المستمرة لإبنته.

تزامنت مغادرة نوال ووالدها الدشرة بإتجاه المدينة لكتابة عقد الزواج وهم كذلك ليمران

بالصدفة على باب فيلاتِ أحمد بالمدينة ، بيت في روعة ما يكون ، حوَته الشبابيك من

الجهات الأربعة ، وحصَّنته حديقة غنَّاء تنوعت بها الألوان ، وتعددت الأشكال .

في هذه اللحظة لوحظ عبور السيارة وشوهد أحمد يدخل الفيلا ، ويرافقه شخص دون

القدرة على إستيعاب شكله أو قراءة ملامحه .

هو الخميس واليوم الذي تزف فيه نوال إلى زوجها بالمدينة ، المدينة مزدحمة ، وضجيج

السيارات وحركة السكان مُعمرة ، أناس ذاهبون ، واَخرون غادون ، الحركة والفعل

الدؤوب والدائم بها .

لا تنام المدينة وإن نام الناس تبقى الأنوار ، الليلة صاحية حتى بزوغ شمس الصباح

وعلَّ الدولة عكفت على تجديد الإضاءة بها ، وعلى الخصوص في هذه الفترة المظلمة

من حياة وعمر الجميع مضت ثلاثة والأمة ماضية في سنين القهر ، أناس وأشخاص

معروفون ومجهولون متورطون .

تطفئ المدينة أنوارها ليلتحق بلقاسم بغرفة زوجته ، يدخل دون طرق للباب ويغلق خلفه .

العروس لا تزال جالسة في سريرها تكتب بإلزام لحظات صادقة ، كل الكلام وكل الأحلام

التي ستعيشها في عش غرامها تخت وردي حيث مكثت تنتظر ، وقد ظهرت في أجمل

حالاتها ، وجهها تورد ، تزينت في يومها بكل الألوان والأزهار ، وعلى الرغم من الخجل

الذي يمتلكها فيحصرها في لحافها مطأطئة الرأس ، مركزة نظرها إلى الأرض ، تبقى

نوال البنت البريئة على خلق قاصد ومعتدل ، ولم تفعل من أساليب التبرج إلا القليل الباهت

إنصبَّ في تأليف رائع منتج ، فشاع ضياء يخفي حفر على وجهها ، ولم تظهر منه إلا َّ ما

خفَّ لونه ، عملا بوصية أمها بلقاسم رجل متدين .

لا تتفطن نوال لزوجها إلا وهو يضع شيئًا ثقيلاً على الطاولة ، ترفع نوال نظرها بإتجاه

الصوت إنها بندقية من نوع كلاشنكوف وذخيرة ..

وفي فزع تُحمْلِق فاتحة بصرها على اَخره ..

نوال وفي صوت حذرٍ :

ماهذا ؟

لا يرد عليها بلقاسم وقد كان ملثمًا ، ليكشف النقاب عن وجهه يأخذ كرسي من جنب الحائط

ويجلس مقابلا لزوجته ، في حين نوال لا تزال مستغرقة في النظر ووجهها يصرخ أسئلة

طالبًا أكثر من إستفسار ، وعلامات الإستفسار تحلِّق فوق رأسها .

نوال : ماهذا ؟ لماذا هذا السلاح؟

بلقاسم : وقد إطمأن لزوجته :

هو للحماية فقط ، حَمَلتهُ هذا الصباح .

الشاب ذو الثلاثين من العمر ، علامات النشاط والإقبال حقيقة تتجلى وتنكشف من

المظهر والمنظر ، له أكتاف عريضة ممتلئة ، والجسم المعتدل القوي تقرأ كل شيء

من على وجنتيه العريضتين .

فجأة تتغير ملامح وجهه بنباح الكلاب وحركة غريبة بالخارج ، وما هي إلا فترة قصيرة

حتى تتكاثر وتتسارع ، وترتفع الأصوات في الخارج التي تقترب من النافذة التي كانت لا

تعلو على الأرض كثيرًا ولأنَّ الغرفة في مؤخرة تخطيط البيت ، يلتفت نحو مصدر الصوت

وقد إرتفعت الضجة بصورة سريعة ، أين غطت الأعشاب أماكن بجانب جدران البيت

فإخترقت الظلمة بحصيرتها الخضراء وبجذورها .

يرفع قاسم ساقيه ويقفز في الخارج ، وقد حمل بيده اليمنى رشاشة وبالأخرى الذخيرة ، وفي

لمح البصر وبدون أن تدركه نوال يغيب عن الأبصار .

في حين تستمر في مناداته :

قاسم ، قاسم ، قاسم لكن لا حياة لمن تنادي ، هيهات لا صوت ولا أثر ولا أي ملمح للبصر

لأي شخص .

تعاود نوال مجلسها وهي في حالة ذهول وذبول ، صخرت منها عيونها ، ورسمتها

صفحات وجهها إنقباض شحيح .

نوال : ما كل هذا ..يالله ، سلاح وهروب ، تضرب كفًا بكفٍ :

لطفك رباه .

ولا تزال على حالها حتى يُقرع الباب بشدة تعقبها أصوات رجالية :

إفتحي ، نوال ، نوال.

تهمُّ الفتاة من مكانها ، تنتعل ، وتُدير المفتاح .

يدخل شيخًا الغرفة مع كثيرٍ من النسوة، إختلفت قاماتهم ، وتعددت أصواتهم .

تصرخ الفتاة بكاءًا حارًا بملأ ما فيها ، إعتنقتها إحداهن محتضنة لها ، تصرخ في

وجههم والدتها وهي تعبر إلى إبنتها :

من ذا الذي يلعب بمشاعر الناس ؟

وهل السمعة تاع الناس هي لعبة بين اليدين ؟

ترتمي نوال بين يديها وهي تصرخ :

خذيني معك ..لا ، لن أبقى دقيقة واحدة بعد هذا .

في حين تتواصل الشجارات اللسانية مرتفعة ومدوية ، وربُّ الأسرة يحاول تهدئتها

بما إستطاع وقدر ، مشيرًا إلى أن رجال الأمن هنا ، جاؤوا للبحث عن قاسم .

وقد كانت مجموعة من رجال الأمن في الداخل .

إختلط الأمر وضاع وسط الصخب والصراخ ، هذا ينادي و اَخر يرد ، ومن هناك يسأل

عن الأسباب والحقائق ، وأين المجرم ؟

تضاربت التخمينات وتعددت ولكنها إلتقت في ركن واحد ، وصبت في وسط واحد .

أين هو قاسم ، الشخص المطلوب صاحب هذه الضجة .

لا وجود له على الإطلاق .

تركزت الأسئلة على هذا الشخص ، أين إختلف البحث بالخوف ، في حين تواعدت الأسرة

الموفدة نقل العروس وأهلها في صباح اليوم التالي ، والليل له خفافيش ، ولأن حضر

التجول مفروض على المدينة ، وكافة الضواحي إبتداء من منتصف الليل ، فقد إمتثل الجميع

لما أقترح عليهم .

………….                        ………….                   …………

ورود الشمس تعللت وذبلت ، أرهقتها ضجة النفس ، فرحت نوال بعريسها ، أخمدت

نورها عين تفرقعت من كل الجوانب ، سرور النفس أفترته مصائب على غير موعد ولا

بالٍ ” إصبر ياقلبي كما قاع الناس ” هكذا كانت تقول لنفسها التي دخلت بيت والديها و

الفجر لم يبزغ نوره بعد ، مؤانسة بالهدوء الليلي الذي تكسر حلاوته أصوات الخفافيش

والقطط المتشردة الباحثة عن مأوى .

…………               ……….                         ………….

شوارع قرية “الحاج عابد” محفوفة بالعساكر وعلى كل حدب ، لا شجرة ولا ترعة ولا

أماكن رئيسية خلت من جندي بسلاحه ، دبابات على قارعة كل طريق .

ما إن دخلت نوال بيتها ، حتى تعقبها ثلاثة عساكر يُطرق الباب ليفتح الوالد بسرعة وما

إن يشق الباب حتى ألفت الدهشة على الوجوه :

الوالد الطاهر :عساكر ؟ ماذا هناك ؟

يردُّ عليه رجل الأمن وقد تكشَّف جسده جثة ضخمة ملأت فوهة الفتحة :

هذا بيت أحمد الطاهر ؟

الوالد : نعم هو بيتي وأنا الوالد .

العسكري : نحن مكلفون بتفتيش البيت ؟

الوالد وقد أدهشه ما سمع :

ماذا هناك ؟ لماذا التفتيش ؟

في حين ينتشر في كامل أرجاء البيت رجال الأمن ، ومنهم من ينصرف في عملية

تفتيشية دقيقة ، في حين ينصرف العسكري الواقف إلى جانب الوالد في حركات سريعة

وفي نظرات يمينًا وشمالاً ، متفقدًا المكان واضعًا يده اليمنى على خصره ، في شكل مثلث

ويُبقي يده الأخرى على سلاحه .

العسكري وهو ينظر في وجه الطاهر :

زوج إبنتك حديثًا أليس هنا ؟

يندهش الرجل للسؤوال ولغرابته .

الوالد الطاهر : زوج إبنتي تقصد قاسم ؟ ليس هنا ؟

يرفع العسكري حاجبه الأيسر وقد كانت كثيفة السواد ، توحي بالقوة والرزانة ، تزيده

خشونة ورهبة في غير تكلف .

العسكري : أظن إبنتك نوال هنا ؟ وبنوع من ملامح الحياء ، ويضيف “الطاهر” وقد

تكهرب وجهه ، وتعقدت الكلمات في لسانه ، أجحفت نفسه أباري تقطع جسده .

الوالد : ما بها إبنتي ؟

نسي الطاهر أنه لم ير إبنته ساعة وصولها إلى البيت ، ولم ينتبه لكلام العسكري ، فلا علم

له بأنها بالبيت ، والمفارقة الزمنية حالت دون ذلك ، يقطع عليه العسكري خلوته :

ناديها أريد التكلم معها ؟

تتضح الأمور أمام الرجل :

نوال هنا ؟

يستأذن سي الطاهر من الجماعة ، ويدخل إلى غرفته ليجد ها فارغة ، يتجه إلى الغرفة

الثانية ، أين يستعجل إبنته وزوجته ، دون مزايدات ولأنَّ الغرف على صف واحد مقابلة

لفوهة الباب الخارجي ، كل حركة على مراَ العين ، فلا مفر ولا داعي لأية مكاشفة .

يعود الرجل حاملاً بيده كرسيين ، في حين تلتحق به إبنته ووالدتها على عجل ، وقد إرتدتا

جلابتين سوداوتين حتى أسفل الكعبين ، واضعتان وشاحًا كل منهما يغطي شعرها، و

وضعت نوال نقابًا على وجهها ، فلم يبق مكشوفًا سوى عيناها السودوتان محمرتان

مغرورقتان تاركتا أثر الدمع يلمع في بؤبؤتها ، وكانت قد عكست حالتها النفسية المتردية

خلال ساعات خلت وفقدت حيويتها السابقة وشعلتها وتأججها .

يشير عليها الضابط بالجلوس هي والعجوز، في حين ينصرف الوالد “الطاهر”لإحضار

كراسي أخر ليجلس أربعتهم على مقربة من الباب الخارجي .

يستمر بقية العساكر في عملية التفتيش ، بينما يأخذ الضابط في إسدال الأسئلة تلوى الأخرى

على الفتاة ، والتي كانت تحاول إيجاد الإجابة الوافية بكاملها ، وعلى مراَ ومسمع الوالدين

اللذان تجنبا التدخل أو العرقلة لحديثها .

دهشة الوالد كانت تبرر مفاجأته ، وبانت أحاسيسه على نبرات صوته الخافتة ، يهشهش بين

الحين والاَخر لزوجته ، مطأطأً الرأس جاعلاً كفه على خده ، سالت دموعه تأسفًا على حالة

إبنته ، زوجها رجل ظالم ، ومطلوب من العدالة منذ زمن أتراه الزمن ينتقم لذاته أم ينتقم

من عائلها وتسرعها الذي إنقلب عليها .

السيوف تضرب جوانح الجسد ، وبعدما فعلت فعلتها مع النفس ، كاَبة وإنكسار خنق

الحناجر ، ينصرف العساكر ، بينما تنصرف العائلة كلٌ إلى غرفته .

………..                 …………….                  ………..

وما إن بزغت الشمس حتى كان الخبر على سنحة كل إنسان ، الاَن الجرح في بدايته

بالعائلة ، لا يزال فاتحًا فوهته ودمائه لا تزال تتقطر ولم تنشف بعد .

تشربت الفتاة المرارة علقمًا من كأس الحياة ، وإحتجبت عن الأنظار من يومها ومن ساعتها

لتجعل من الوحدة صديقًا لها ، وعلى كرسيها وطاولتها معتكفًا لها ، وقد غاصت في روحها

اَخذت حياتها منحى ردعيًا ، إنطواء وإنفراد ، خصصت منه لحزنها ومصابها الكثير ،

منوطة بأهلها وبخاصة والدتها التي عملت بالنصيب الأكبر في إخراجها من ما هي فيه

فلا مساعد لها سواها وخصوصها وأختها لا تزال على صغيرة في العمر والتي تصغرها

بخمسة سنوات .

يزحف فصل الصيف إلى نهايته ، تاركًا المكان للخريف وهاهي برودته تعم المكان

تعلن بقدومه ، وقد ترامت أوراق الخريف وغطت المكان ، ولأن الفاجعة كانت كعين

الشمس ولفتة الحزن ، يتراء سي الطاهر غمامة سوداء ، لم يكن ليغفر الرجل لأحمد

أو ينكر عليه صنيعه أليس هو السمسار ، فهو الصديق والحبيب ، ومن جلب العريس

لإبنته “نوال”؟

إذا فالجرح لم يلتئم ، والتعاسة تنبذ كل مخادع ، لذا فقد تلاشت وفترت العلاقة بينهما

إلى أن أضرفت على فتورها فإنقطاعها على الرغم من حكم المجاورة ، إلاَّ أنَّ الواقع

والظروف فرضت نفسها على العباد ، فإنَّ فاجعة الوالدان والأسرة بأكملها في فلذة

كبدها فهذا مالم تهضمه أنياب ولا أضراس ، ومن مرارة المذاق ما نفَّر اللسان ، ولأنَّ

المسكين ومن مرارة المذاق ما نفَّر اللسان ، ولأنَّ المسكين ومن لا دين ولا ملَّة له

فالطاهر صاحب نفس قوية ، وإنسان مجرِّب ، تمررت نفسه من أهوال قادته إليها

وهيأت له ما أصيب به مؤخرًا ليرمي حمولة على الله ، ولأنَّ الإنسان في أكثر سائر في

حياته وإكتمالها في نسيانه ، فالفراق شاسع بين مشاكل ندرسها في إطار دورتها الزمنية

ومشاكل أخرى تولدت في إطار ظروف معيشية خاصة ، وما أقواها والفترة التي تمر بها

البلاد قد جرحت من الناس ما كثر عدده ، وزهقت من الأرواح ما عجز إحصاؤه .

ولأنَّه إذا عمَّت خفَّت ، فقد بدأت الحياة تدبُّ وتنبض من جديد ، وعلى مرأى من الجميع

من جيران وأصدقاء .

………….                 ……….                 …………

هذا المساء خرج “أحمد” من بيته ، في إتجاه المكان المحضور كما يسمى ، على مرتفعات

المدينة وعلى جبال الظهرة ، أين كان معسكر المجاهدين ، كما أطلقوا على أنفسهم ، و

أحمد عنصر هام في المجموعة ، سُندت له مؤخرًا مهمة أخرى بالإضافة إلى الخطف و

القتل وهي تقصي الحقائق وجسِّ نبض من يريدون معرفة محوطات حياته ، أو يلمحون

فيه ومنه خطرًا على نظامهم وحياتهم .

هذه الأيام تسربت أخبار ، وإنتشرصداها كما لو كان رنين ذبابات ، يتهامس الناس دون

النطق ولا بكلام خوفًا من لاذع المصير ، فالأشجار والصخور وكل صم اَذان يعرف ،

فالأرض إذا بشِّرت مُنعت وإذا نَدرت الأمطار هلكت .

…………                  ……….                  ……….

لقد قُتلَ المير هذا الصباح وفي وضح النهار ، وأنَّ القاتل من أهل الدار ، صاحب الخطب

الذي لا يخيب والسهم والسهم الجَفل من لا يحفل العواقب .

كانت جميع الدشرة على علمٍ بمكانة “أحمد” في الجماعة الليلية ، لكن مدى خطورته و

تعامله وتعامله مع الجماعة ، فمشكوك فيه ، وأنَّه العنصر المسرِّب للأخبار ومصدر

المصائب ، والدماء التي تُرقُ فيها البقعة بضواحيها ، لكن من يؤكد الخبر ومن يمضي

التقريرات ببصمات الواقع المثبت نقلاً عيانًا ، مجيبًا عن الألسن ومعاقبًا لها ، والخوف

والذعر يدعمها ضعف الأنفس ، وعدم الكفاية والقدرة على المواجهة .

كما أنَّ الدولة مَنعت التسلُّح على الناس ، إلاَّ عن من حضي بثقة صريحة خوفًا من

إختلاط الأسلاك وتفاديًا للأفكار المتناقضة ، وتضاربت توجهات الناس مكتفية بما

تحيا من حياة فقط .

كما أنَّ بُعْد البلدة عن المدينة وإنعزالها ، وإرتداء أهلها لباس الجهالة ، جعلت المراقبين

يعيدون التفكير كذا مرة .

المنطقة ولِمَا بها من طور واحد للتعليم فهي لا تضمن إلاَّ التعليم الأساسي لأبنائها ، كما

أنَّ الفقر ومظاهر البؤس التي مُني بها الإنسان ، والتي تورطت بها في حالة بؤس تحيا

فيه المنطقة والبلاد عامة ، والمنطقة زراعية ، غالبية أراضيها خصبة 100 % جعلت

الأهالي تعتمدها بشكل رئيسي كمصدر رزقٍ.

الأمطار تهطل خيوطًا رقيقة رقراقة ، يُدمدم الرعد غاضبًا على شدته ، يتبعها لمعان صفح

الضباب الأبيض ، تحاوطه ظلمة الليل الداكن ، حيث غابت النجوم وإعتذر القمر عن

الظهور ، إنَّها العاصمة وهذا ما يخشاه سكان بقعة” الحاج العابد”

هذا ما يسرِّح للجرذان بالخروج من الجحور ، وإعتذر النجم عن الظهور وإنطلق في

ظلامه الكاحل الكاسح .

تغرق البقعة في دوامة الأمطار ، وتتحوَّل الأزقة والشوارع إلى سدود تطفح مياهها و

تغرق الشوارع الترابية ، هذه التي لا تستوعب سخط الشتاء ، على الرغم من الحاجة

الملحة للمياه فإنها تذهب للفراغ .

أمَّا في الجزء الاَخر من الطبيعة فيسكنه البشر ، لأنَّ الحالة العامة للبلاد هي توتر وترقب

للمصائب بين الموت والفقدان ، ضياع في وسط الكتمان أو ضرورته ، ولكن الكلام

يجب أن ينعدم من اللسان .

هذه الليلة “أحمد” وأسرته ليس ببيته ، وهو ما دلَّ عليه إنغماس مسكنه في سواد الظلام

ربما رحلوا إلى فيلاتهم بالمدينة .

يزحف الليل نحوى اَخره ، والقرية لا تزال منغمسة في دوامة الظلمة والأمطار ، الأشباح

تظهر في الليل ، وحضرُ التجوُّل لا يزال مفعوله يُطبق الأنفس ، وما هي باللحظات الطويلة

حتى تعلوا أصواتٌ وصرخات بعيدة ، أصوات تبكي ، وتنادي .هناك من تعدى عليها ، و

هناك من يمارس جبروته على الأنفس الضعيفة .

الأوغاد يستغلون كل ظرف ليقمعوا وينهبوا ويسفكوا ، إنهم أناس يصرخون ، يقول الطاهر

ترد عليه فاطمة أنَّ هناك من ينادي من أصوات الجيران .

لقد خرج الجيران كذلك ، وأظنه ” سي علي” تضيف فاطمة ، يهمُّ سي الطاهر بإرتداء

معطفه متهيأً للخروج ، وتقفز فاطمة من سريرها ، ونعاس قاهر يكبس أنفاسها .

وعلى كِبَرٍ يكبح خطواتها ويعاندها في الإسترسال :

تمهل يا رجُل ، أتحسب الوقت نهارًا ؟

ولكن “الطاهر” يكمل إرتداء ما تبقى من ملابسه ، الرجل تعدى السن حيث ما دنى إلى

الشيخوخة ، ولم يعد يقوى على المكابرة ولا مغالطة صحته ، يلبس حذاءه ويحمل

عكازه ، ويدنو من الباب الخارجي كلُّ هذا وزوجته تتبعه بشدة ، وتشده من يده :

هل أنت في وعيك ؟

لا يبالي بما تقول ويفتح الباب ويخرج ، تناديه فاطمة وهي تنظر خلفه ، جميع الناس

في الساحة على رأس الشارع أين إحتشدت الجموع ، عجائز ، ورجال أطفالٌ وشيوخ .

يلتحق الأولاد بوالدتهم عند ركن الباب يتساءلون :

ما الخطب ؟

في حين تقف الأم في حالة ذعر قديم ، حاضر .

الناس على حالة من الهول ، هناك من يقول أنَّ الأهوال داهموا المتطرفة مساكنهم و

تعدوا عليهم .

وقال اَخر :

لقد أشرفوا على دخول الدشرة .

إلاَّ أنهم صُدوا بمقاومة ولتهم الدُبَر ، تعددت وتضاربت الأقاويل بين ذلك وتلك ، و

هؤلاء وغابت الحقيقة وتاهت في صخبٍ ، ليل شاكٍ تماشى وواقع الحال .

يكشف الصبح عن الشعاع الأولى من شمسه الذهبية ، شمس باردة نفخت ما بها من

سيقع خلَّفته الأيام .

يعود “سي الطاهر” إلى بيته في الصباح الباكر ، بعدما كان قد غادره على صلاة الفجر

كما إعتادت أيام حياته في روتينها ، ولكن هناك ما خلَّل صباحه وظهر في رجوعه

المفاجئ ، يدخل الطاهر بيته ، ينادي زوجته على عجلٍ فاطمة ، فاطمة والتي كانت في

المطبخ تحمل ما بها وما ترتب عن عشاء ليلة الأمس هنا وهناك ، وحالما تسمع الصوت

تترك ما بيديها وتقبل عليه مسرعة .

فاطمة : ماذا هناك؟

سي الطاهر : إحلسي ..

يجلس وزوجته على كرسيان في بهو البيت تحت أغصان شجرة البرتقال الوارفة القابعة

في وسط الفِناء .

الطاهر : هل تعرفي ماذا حدث بالأمس ؟

تُلوحُ زوجته بيدها ، وترفع حاجبيها في ردٍ بدون صوتٍ فيقطع عليها الكلام .

إنهم “أصحاب الليل” قصدوا الليلة الماضية أهالي ” بقعة سي علي” .

تفتح الزوجة فمها معَبرة عن إندهاش حقيقي .

فاطمة : لقد كانوا على مقربة من هنا ن رباه سترك .

الطاهر : وقد قُتل شاب عائد من الخدمة الوطنية بعدما أتمَّ خدمته .

يتوقف الرجل عن الكلام وكأنه يتذكر لقد قِيل لي إسمه ..(لا يدري ما يقول)وهو يحك

جبينه .

الطاهر :لكن لم أعرف إلى أيُّ عائلة يعود ، كما أنَّه غاب عن ذهني ابن من يكون ؟

فاطمة وقد أدهشها عن اَخرها ما حدث : الله يلطف ويبعد بينا وبينهم ، وربما لا يزالون

هنا ، فلا شك في أنهم سيقصدوننا ذات ليلةٍ .

يواصل “سي الطاهر” :

كما قُتلت عجوز وإبنتها ، وطفلٌ صغير من بيت واحدٍ ، وقد إستغلت المجموعة غياب

الأسرة حيث كانت الأم وبقية الأفراد في عُرس بالمدينة .

الخبر كان كالصاعقة فالأيادي تَطَال كلَّ شيء والأقدام تطَأ البقعة ، والخطر على مرمى

طرفة من العين ، ولا يفصل بيننا وبينهم سوى ساعات ، على الإنسان أن يأخذ حذره و

أن يحطاط كيفما شاء .

وذلك فالأهالي قد كُلِفت بعده بإجتماع إجباري .

كل ليلة أفراد معينين يقومون بالحراسة الليلية ترقبًا ومراقبة كحَلٍ وسط ، في غياب رجال

الأمن ، فضائح وماَسي تضرب ربوع القرى المجاورة ، والدمار الذي يحققه العدو أضحى

حقيقة ، حتى أنَّه لم يبق من شيء من مظاهر الترف والنعيم المعهود ، ومن لا طاقة

ولا قدرة له على المكابرة ولا على الصمود ، وفضَّل حزم أمتعته وقصد مكان اَمن له و

كانت في الغالب المدينة هي الوجهة الأولى والأخيرة لهم .

فلم يبق بُدٌ في البقاء بعد هتك أعراض نسائهم المصونة أستارهم ، وإمتدَّ الأوغاد ليخرجهنَّ

والفزع يستوي على نفوسهنَّ في المنطقة وإشتعلت النيران في كلِّ مكان ، فذهلت كلَّ

شيء في الطبيعة التي إنتكست بهجتها فلا فرار ولا خلاص .

أيام سنة 1994 ليالي حالكة وفي وضح النهار ، والناس تهاب النوم خوفًا من واقع الحال

الصيادون ثائرون بعد قتل نائب رئيس الكزمة ” سي خليفة بن عابد ” عنصر خطير من

أبناء المنطقة ، إنتهت أيامه على ايادي رجال الأمن في كمين نُصب له بإحكام ، أرداه جثة

هامدة بعد أن إستحال سماؤه دخانًا ولهبًا قويًا .

كان “بن عابد” رجل طاغية عمل على نشر الخراب وقف الرعب والدمار في كل مكان

فالنفس تقشرُّ لأفعاله ، وتسأله :

منْ فزَّع قلوب النساء والأطفال والأمهات والاَباء ؟، وهل في قلبك نزعة شفقة وذرة

رحمة ؟ ، قلوب المستعمرين جميعًا كالحجارة ، بل أشدُّ قسوة ، حجمها أطهر من الرقة

وأليَنْ من اللين ، بعض الأحيان لم تضاهيها أعمالكم اليوم ، والدليل قسوتكم وجبروتكم

علَّ سرَّ ذلك التمييز هو الإختلاف الكبير بينكم فذلكم أمة معروفة ، أمَّا نحن فإخوة دمًا و

عرقًا ، أنفُسًا وأجسادًا ومنهم الخائن .

البعض منهم لم يرقه الصعود وحده بل جذب إمرأته وإبنه معه أنيسًا ومساندًا حتى ولو كان

معاندًا ، قساوتهم وجبروتهم دمَّر بيوتًا وحرق أوصالاً .

بالفعل قد أساءوا بصنيعهم هذا إلى أمتنا الجزائرية شبرًا شبرًا واَهة فاَهة ، أمة بكا فيها

الصغير والكبير ، حتى الرضيع من قشحت أعشاؤه وأعضاؤه ، ونهش لَحمَه بخنجر

المذنبين ، فأظهروا بذلك عداوة للشعب والحرية والأحرار ، بلد المليون ونصف المليون

تكتوي للمرة الألف وبأيادي شعبها وصخر أراضيها .

البلاد في المرحلة الإنتقالية ، عهدًا  يتعهده الرئيس الجديد ، حِلمًا بات إستقدامه من الغربة

حلمُ تحقق في غياب الأب المثالي والروحي والوجداني ، أُسْتقدم من بعيد ليربط بيننا

أواصر المتانة ، هذا المساء يخطب الرئيس على وسائل الإعلام السمعية والمرئية

خطاب للأمة ، خطاب توحيدي :

إنني أتوجه إليكم بالنصيحة مع أنِّي أعيش معكم في الجزائر ، وتجمعنا مشاعر الأمل

والألم ، فلا تتركوا الأمل يتبخَّر ..

كانت هذه كلمات ورديَّة تلفظها الرئيس قبل أن يُعلن أشهر قليلة بعدها عن وفاته في شهر

جوان من عام          لفظ أنفاسه في ولاية من ولايات الشرق “عنابة” أو بونة الجميلة

وهو يلقي خطابه على الملأ ، ليعاد النظر في توحدنا ومشوارنا الأخوي السياسي و

العسكري الروحي من جديد ، ولا بدَّ من إنتخابات عاجلة .

يمرُّ عام وها نحن على عتبة 1996والبلاد لا تزال دائمة الدماء ، والأحوال ببؤرة خانقة

عميقة سقطت فيها البلاد لتجرف العباد …

دعوا الأماني الكاذبة والأحلام التي تعيشونها حينما تصورتم أنَّ الحرية مُنحت من الأعداء

فكم من يدٍ إستعمارية توغلت تحت غطائهم ، ولا تخدعوننا بأساليب المستعمر الذي

يغرَّكم بألفاظ السوق ووسع الحال ، وتسابق على مناصب الرياسة ، وفي الحقيقة كله فارغ

أجوف ، فقشرته الحرية ولُبهُ العبودية .

إنَّ الحرية باب محكم الإقفال ، لا يدخل منه إلاَّ مَن دُميتْ يداه من كثرة الطرق في عزم و

ثقة وإصرار .

……………..                 …………….                  ……….

هاهو أحمد يخرج من بيته ، بعد طول غياب يتجه نحو مقهى الحي ، الصديق و الرفيق

بن الحي ، عاد إلى بيته المهجور ، لا يؤمه إلاَّ بين الحين والاَخر ، لقد أقام بالمدينة هو

وعائلته ، من أيام فقط عزَّل من المكان ، والده إفتكره الخالق منذ أيام ، أمه إمرأة في

العقد الخامس مفعمة حيوية ونشاط ..

يأخذ أحمد كرسي موضوعًا فوق الطاولة خارج المقهى ، ويضعه بجنب صديقه حَمَدْ

وجاسم من الحي وكذا الشأن لباقي أهل القرية ، لقد قَويت بُنيَةُ أحمد ، وإكتملت عضلاته

بزوغًا ، علَّها الدنيا أقبلت عليه ، ويتبادل الأصدقاء النظرات يقول جاسم موجهًا لأحمد

بعدما طلب له كأس شاي :

هذه غيبة أين أنتَ؟

أحمد وهو يبتسم ويفرك يديه :

لقد كنتُ في المدينة ، اَه ياصديقي لو تأتي لتعيش هناك ، هناك دنيا أخرى تنتظرك .

يحضر النادل كأس الشاي ،  فيتناوله أحمد بين يديه ، ويرتشف الرشفات الأولى ، و

يجحد “حَمدْ” بنظرةٍ رفعها عن عُلُوِّ كأسه .

أحمد : ماذا هناك لماذا هذا الصمت ؟

حَمَد : ماذا تردني أن أقول لك ، الدنيا أعطتك أنت ولم تعطينا شيء .

أحمد : لا ، لا يا الله ، وهو (يبتسم) خمسة في عينك ، ما هذا يا رجل أنت تُمَني علينا

بالرزق .

حَمَد : لا أستغفر الله لم يكن قصدي أزد عليك بما كنت أقول ؟

في هذا الحين يتكلَّم جاسم : قل لي يا أحمد ، سيارة وفيلا وقطعة أرض على حسب ما

سمعت إشتريتها مؤخرًا ن من أين كلَّ هذا الخير وهو يبتسم ويداعب :

هل سرقت بنكًا ؟

تهتز جفون أحمد وترتجف يده ، وكأنه لم يكن ينتظر هذا الكلام ، إنه بمثابة صنارة صيد

دناها في بحر السرقة والحرام :

هذا بعيد عنا عفانا الله و إياكم منه ؟ يقول أحمد .

جاسم وحَمَد هما من أقرب المقربين لأحمد ، والمتطلعين بالشكل القريب جدًا على كل

أسرار صديقهم ، يعرفون سيرة الشاب وكامل مصادر رزقه فإذا كان والده صاحب

منحة فرنسية ، فلا يُمكن له القفز كل هذا العُلُو ن خصوصًا وأنَّ والده كان يعاني مرض

عضال ألزمه الفراش هذا سنوات ، وله ما يجب عليه من علاج ومتابعة طبيَّة تتطلَّب من

الشيء الكثير من المال ، كما أنَّه يستلزم على الوالد تغيير دمه كلَّ شهرٍ ، وشحن دمٍ اَخر

وهذا ما يجعله يستنزف ماله كلَّ حين وكلَّ لحظة .

وأحمد فمنذ أن شبَّت هذه النار في البلاد وهو على علاقة كبيرة متينة بالجماعات التي

تغيَّر نظامها خلال العامين الاَخرين .

تخصصت نشاطات الجماعات وتوسعت إلى السطو والتعدي على أملاك الشعب عامة .

ومن بين الأنشطة المُسندة لأحمد ، كان صادق الولاء للأصولين والمتشددين أصحاب

” الدين الإسلامي” كما يُقال عليه في المنطقة في إشارة بالسبابة .

لم يكن أحمد هنا يوم ضربوا المجاهدون القرية ، وعبثوا بأبنائها وبناتها ، ولم ير بعينه

ما أصابها من دمار وخراب ، ومن هو ليعاني ولا ليغالي في أحاسيس وشاعرية ينادي

بها المساكين ، الحياة للجميع فلا داعي للوم ، فالكل يرى بعينه ويلمس بيده ويسمع بأذنيه

الخداع والدمار قطع اللسان ثم إعدام الرأس هي نهاية كلَّ واشٍ وخائن ، وكلًّ بياع رجال

الأمن .

………….                            …………                      ………

هو عام 1996 الناس تتذوَّق علقم الأيام يومًا بعد يوم ، اللغة المستعملة هي لغة البقاء

للأقوى ، إن أردتم حياة العزة والكرامة ، فإدفعوا ثمن الصمت .

على رجال الأمن و الصالحين من أفراد الشعب التضحية بالنفس وما يملكونه من نفيس

فمهما عظمت تضحيات أبناءكم فلن تكون بمقدار ما ضحى به أجدادكم قديمًا في سبيل

الوطن ، اليوم إلى كلِّ فرد من أفراده المخلصين والأحرار هم أولى الناس بردِّ الإعتبار

للوطن .

هذا ليل من ليالي فصل الربيع الدافئة ، إنَّه شهر مارس 1997 يخرج أحمد في قشابيته

السوداء ، يمضي سالكًا طريق الساقية التي هي فاصل بين بستان الحمضيات والمنطقة

السكنية ، يمضي متخفيًا عن الأنوار وبسط الظلام الحالك ، فقناديل الإنارة أتلفتها

المجموعات حينما قصدتها ذات ليلة في أعمال إستهدفتها هدوء عناصر الدفاع الذاتي

التي وضعتهم البلدية بناءًا على شكاوي ألائك من وجع الطغاة .

أين كان “سي طاهر” وجماعة الجيران من تبقى من الأهالي ينظرونه وهو يبتعد حتى

غاب عن الأنظار تحت الساقية ، حيث غطى علوها رأسه وركائزها باقي جسمه .

طريق لا يسلكه إلاَّ أولاد الذئب ؟ هكذا قال سي الطاهر مخاطبًا البقية .

الكلام باب موصد ، من إقتربه أو أراد قصده لم يعش بعدها ولم يكفيه من أتى بعده .

يومًا بعد يوم أضحت البقعة فارغة جوفاء من مظاهر الحياة ، فالأيدي الاَثمة إمتدت

حتى إلى المواشي .

ولم يتمنع منها حتى أسراب الحمام ، والناس منهم من ترك مزرعته ومنهم من ترك بيته

على الرغم من أواصر المتانة بينهم وبين البقعة .

فالأعمال الوحشية أوضح مخالفة إرتكبت في حق الناس ، وغير بعيد عن القرية بداخل

البستان حيث إلتحق “أحمد” بحلفائه إنَّه “بلقاسم” يحمل قنديلاً يُنير له الدرب ، إنَّها الإشارة

يتجه “أحمد” بخطوات سريعة تحوي الهدف ، كانت هناك مجموعة كبيرة بين الأشجار

تخرج في لحظة واحدة بعدما إلتمست الأمان .

يقول رجل ملثَّم لم يبق من وجهه إلاَّ العين تبرقان في ظلمة الليل شاهرًا رشاشة كما فعل

بقية المجموعة :

هل راَك أحدًا ؟

أحمد وهو ينزع قلنسوة القشابة عن رأسه :

لا ، لا إطلاقًا ؟

إنَّه الأمان ، هيا بنا ؟

الجميع على أهبة عملية ما ، هناك  من هو مُستهدف هذه الليلة .

ساد القلق والإضطراب جموع الناس ، فقد تسرَّب الخبر وإنتشر كذرات الغبار التي

خلَّفها ساق الأحصنة .

لقد تولى الحكم في المجموعة المسلحة ، عنصر جديد يدعى “بيسة” هذا اللقب الظاهر

في حين خفيا الحقيقي ، فلم يكون يظهر في التنظيم مطولاً ، إذ أنَّه تولى الحكم داخل

المعسكرات ، فكثرت المؤمرات بينهم ، وأودت بحياة الكثير ، فأصبح لكلِّ أمير من

الأمراء سرب يقوده ويُقربه إليه ، إلى أن يلتقي الجميع تحت لواء واحد .

القائد الأكبر قائد الناحية كلٌّها خلفية الغرب ، يعتمد على كلَّ سرب في إغتصاب الممتلكات

عندما تحين الفرصة ، بالإضافة إلى هذا لهم من المهام أكثرها خطورة ، وتواصلت إلى

الذبح مثلما تعرَّض إليه ” دولمي” الرجل العامل بمصنع الأسمنت والبلاستيك بالمدينة و

هذا إثر تسرُّب معلومات تقول أنَّه إشترك مع رجال الأمن ، وتعاون معهم مما أدى

بالإطاحة برؤوس بعضهم .

الليلة إشتعلت أنفس الناس ، الساعة لا يفكرون إلاَّ فيما سيلقون من مصير ، الظلام حالك

لم يأت كما أعتيد له إنَّها العاصمة ، لقد ضربت الفوضى ، لقد ضربت الفوضى أطنابها

في كل مكان سئمت حكم الغلبة ، العجز يقابله الطغيان ، الحاجة والمحتاج ، الخوف و

العظمة في بقعة ” بن عابد” .

لم يتملَّص منه كلَّ الناس إلاَّ واحد هو ” أحمد”

فلا أحد غافل عنه ولا أحد مُبلِّغ .

سي الطاهر :

ليدخل كلَّ واحد بيته ويَغلق هو وأولاده عليه .

كانت البقعة قد إستطاعت أن تحتفظ بأُسَرٍ تعدَّ على الأصابع ، وهم في واقع الحال من

لا حيلة ولا طائل له على ترك مكان أنشأه وأرضٍ ربته .

مسلِّمًا ومواجهًا ، وبرودة الجو النفسي .

تقترب عقارب الساعة إلى تمام منتصف الليل ، الكل غارق الساعة في تعبه الجسدي و

النفسي ، كل له ما يكفيه من أعمال تهتك بجسم الإنسان ، هنيهة ويرتفع الصوت بمكبرات

الصوت ، يأخذه الريح ذات اليمين وذات الشمال ليقول :

أيها الناس لا يجوز لكم الكتمان ، وغير لائق بكم إلتزام نظام فرضه عليكم الجهلة ، وغير

لائق بكم أن تكونوا بالنهار رجال وبالليل ربات الحجال .

أيها النائمون ، أنتم تجهلون مالكم من مكانة ، غيركم يعيش في القصور ، والمساكن الفاخرة

محاطة بكلاب الحراسة ، لكن أنتم ترضوا ببيئة من طين وحجارة .

غشيت أعينكم بحجاب عمي الأبصار ، زادها بعدكم عن المدينة ضلالة ، تأملوا ما حولكم

من محاسن ما يروِّعكم لتجددوا عقولكم قوة ونشاط ، أمَّا عن خدوجة من بنات الليل والدفاع

فسنكفل بهم حين يحين وقتهم وأعدكم به في الوقت القصير جدًا .

كانت هذه العبارات تكلَّم بها الصيَّاد خلف أسوار الليل ، كان الصوت ينبعث غير بعيد فقد

حُدِّدَ مكانه .

كانت هذه مكبرة صوت مسجد الحي ، حيث ملأ الرعب وعلَّل الأنفس وأسقمها ، وعكَّر

صفو لياليها وأيامها ، وهناك من ضحك ، فقد كان بمثابة غارة ليلية ، لا أناس هم أحياء

والحقيقة أمواتًا ، جُثث بدون أعمار إلاَّ من رحم ربَّك .

قضت المجموعة محاصرتها في غصون ساعة ، ما فصلها ساعة عن الفجر زاحفًا بخطاه .

لتكون الليلة قد إنتهت اَملين في كون الجميع قد خطو عتبة التشاؤم .

في المسجد وعلى صلاة الفجر خيَّم الصمت والهدوء على المكان لا نفس ولا إنسان يتحرك

حتى إمام القرية والمؤذن لم يحضر أحدهما هذا الفجر.

لا أحد يريد الدفع بنفسه إلى بئر الأفاعي ، وما إن تهللت شمس مسترسلة حتى كانت

عناصر الجيش الوطني محاطة المكان ، رجال الأمن منتشرين في كلَّ مكان من فوهة

المنطقة وبوابتها على المدينة على نهاية حدودها وإنحصار بوابة خروجها على مناطق

زراعية ، تمتد على بعد النظر ..

ولأنَّ المنطقة لم يبق بها من المنازل إلاَّ القلة القليلة فكان من السهل السرعة في التفتيش

تماشيا مع سهولتها في سهولها وأراضيها .

الهمُّ الكبير للعساكر ، البحث عن المجرمين تحت قيادة لواء الناحية ، وهو إنسان ذكي فطن

شخص مهاب أخذ مكان القائد “بنور” القائد المغتال ، وما سهَّل المهمة ، الإسترشاد برجال

الأمن المتعاونين بالمنطقة لم تمتد إليهم الأيدي الاَثمة .

المغالين والذين أوقعوا بالقائد “بنور”

وهو نفسه القائد الذي خلَّص البنت نوال من أيدي زوجها المتواطئ مع الجماعات .

إستنزف العساكر وقتهم وهاهم في النصف الثاني من النهار ، دون الوصول أو العثور

على أي شارة تعلل الأخبار الواردة .

كثرت الاَفات تغطي الوقائع ، وكذا إنتشار الفقر والجهل كان سببا لرواج البدع والخرفات

وسواد الظلم والشقاق ، وزاد المنطقة غموسًا في أوحال وفتن أوصلتها إلى ماهي عليه

وعلى الرغم من خيرات المنطقة ما إعتبرت مناطق ساحلية ، ماء وأراضي في خصبة

على كافة النواحي ، إلاَّ أن الخوف كان أقوى الفرص ، فأساء إلى الأحوال ، لينصرف

الناس تاركين أشغالهم فأضحى كالفقاقيع التي تطفو على سطح الماء ثم لا تلبث أن تتلاشى

بوفاة هذا القائد تكون المجموعة قد فتحت على نفسها فتحة تشاؤمية ، وأسلوبًا تنفيريًا ،

فيهجر الجميع مبعدين القضية الشائكة وتسرب المعلومات حول الخونة والعيون التي

تتسلل وتعمُّق شبكة الشراكة .

والقائد لما إجتمع بكبار البقعة وفي ساحتها قال بالحرف الواحد أنَّه ثمة قائمة في أيدي

رجال الأمن تكشف كل الأسماء المتورطة والتي فجَّرت ولهَّبت الأرض والعباد عبثًا .

متوعدًا بالتواصل إليهم وفق أوقات محددة ومسطرة .

أصحيح ما في القرية ؟

وهل هي أحداث واقعة أم خيال و الرائج وما تتداوله الألسنة والذي يحمل أنَّ “أحمد”

ضمن الأسماء المتورطة والمشاركة في إرتكاب الجرائم ، وإذا كان هذا صحيح فلماذا

لم يلق القبض عليه ؟

أم أنه أسلوب إستفزازي إستنزاف للحقائق من الأفواه والألسن .

اليقظة والحرص لابدَّ منهما تتقدمها طبع النفوس بأختام تجويد وتلحين الكلام ، لا يردُّ

صاحبه حيَّا واللهجة هذه المرة تختلف عن سابقاتها فمن يدرك أدرك نفسه ومن خاب

قادها إلى حتفها .

يخطو عام 1997 خطوات كبيرة في التقدُّم ن وهو ما يخلص إلى بلوغ شهور طوال من

سنته ، والبلاد غارقة في بحيرة الدماء ووابل التفجيرات في كلِّ مكان ، فلا اَمن ولا إئتمان

وبالخصوص الأماكن الاَهلة بالسكان وكذا الأسواق المفتوحة والأماكن العمومية ، المدينة

بصفة عامة هي مناطق غير اَمنة ، ألغام ودمار ، الموت يتربص بالإنسان هذا حتى في

المدن الكبرى .

أما المناطق النائية فقد أصبحت وكرٌ للأوغاد ، القلة القليلة من حَكَرَ مكانه ، وأتخذت الكثير

من المؤسسات التعليمية وسيلة لبث أفكارهم الدينية في النهار ، ومأوى ليلي لهم .

بقعة ” الحاج عابد والتي ضرب المعمرون عليها حصارًا إقتصادي وهم الاَن ، وقطعوا

عنها الإتصال فالداخل إليها لابدَّ أن يكون من أهل المنطقة وأهاليهم ، والخارج يكشف

الهوية هذا لم يرى ولم يسمع .

غادر الصيف بثماره الناضجة ليخلفه الخريف الحزين وسحاباته تترقرق ، تدمع حينًا و

تجفُّ عنه أخرى إحكامًا وتنفسًا .

وهاهو اَذان صلاة المغرب يُرفع بعد مغيب الشفق الأحمر ، ليخرج “أحمد” من بيته وقد

كانت هذه أوَّل مرة منذ أمدٍ بعيدٍ ، يتجه كعادته إلى المسجد لأداء صلاة المغرب ، وقد كان

مسجد المنطقة غير واسع ، لكنه يؤم جموع المسلمين خلافًا على المصليات المحفوظ

مكانهنَّ .

يجتمع رجال المنطقة وشبابها وقد وصل عددهم إلى ما تعدى العشرين بقليل ، دخل أحمد

المسجد والناس بين أيدي ربهم لم ينتبه لوصوله أحد من ناس البقعة لا رجال ولا نساء

أمناء رغم إختلاف بعضهم البعض ، فحبُّ إشتراكهم في الرأفة والرحمة والأنفة ، وحُبُّ

الأخ لأخيه كلَّ ما يحبه لغيره هو من الشيَّم الفاضلة التابعة والممتدة أواصرها والسارية

في الدماء ، الطباع الحميدة مُستتبة ، والقرابة متواصلة بينهم .

تزايدت هذه الألفة بإتساع إنتشار موجات الإغتصاب والأعمال الإجرامية ، لتتجه الجهود

إلى توثيق الإتحاد والتكافل بينهم .

وما إن إنتهى الإمام من السلام ذات اليسار حتى إجتمعت جموع المصلين حول غريبهم

الراحل العائد ، الكل يسأله ويطمئن عنه ، يلمحه ” سي الطاهر” :

من أحمد ؟ كيف حالك ؟ وكيف عدتَ؟ ولماذا كلُّ هذا الغياب ؟

عاد أحمد وقد تغيَّر شكله الشيء الكثير ، لقد إتسعت صفحة وجهه ، وكست وجهه شعيرات

سوداء ، وإنتشرت هنا وهناك ، لتنتظم على ذقنه وتتكاثف أسفل الأنف والفم ، كما أنَّ بنيته

الجسدية تضخمت ليغطيها لحمٌ وشحم أمنَّ له قوته من الهزول كم عام قادم .

أمَّا ملابسه فقد أظهرت ما له وما عليه من بَذَخٍ وإستقرارٍ نفسي .

ردَّ السلام على “سي الطاهر” فهو من معارفه منذ زمن بعيد .

أحمد : كيف حالك مع الأيام ؟ ( وهو يضع كفه هلى كتف سي الطاهر ) .

أنت كما تركتك لم يتغيَّر منك شيء ثمَّ وهو يضحك حتى ملابسك هي كما هي عباءة

صوفية في الشتاء ومن الخيط في الصيف .

أما سي الطاهر وعلى الرغم من الصداقة التي تربطه بأحمد إلاَّ أنَّ الخشية لا تزال قائمة

فما سمعه وما راَه من أفعال الرجل يقصِّر عليه الطريق الطويل في يجدي التعامل معه .

سي الطاهر وسي علي وجاسم كلهم مما تبقى يتمشى أحمد معهم معروضين على فنجان

قهوة ، ومن عرضهم ظ الجميع يسير نحو مقهى الحي بلا كلام ولا مساءلة ، فهذا المقهى

هو الملاذ والفرار أين يجتمع الجميع صباحًا ومساءًا الأصدقاء والشباب ، غير أن الأيدي

الممتدة لم تترك شيئًا لم تضع عليها اليد ، وحتى المدرسة الوحيدة للأبناء وحتى الفرع

البلدي والطبيب الوحيد غلق أبوابه بعدما قصدته العساكر ذات ليلة إثرى وشاية تُفيد تواطئه

بالشكل الواضح والصريح مع المجموعات الإرهابية لماذا وقد عرف الجميع ؟

فهو من كان يصنع القنابل اليدوية ويزوِّد المعسكرات بالأدوية والأغراض الطبية مساعدات

وإسعافات .

في ركن من أركان القهوة إجتمع أحمد بمن أحبوه وأحبهم منذ الصغر في أسرة كبيرة منبثقة

من أسرة صغيرة اَخذة منها كلَّ الطباع وقد إتصل بهم وإحتكَّ بهم إلى درجة بات فيها غياب

أحمد عنهم وكان الحلقة المفقودة ، ما جعلهم يتجهون إلى طاولته وينقلون الكراسي إليها

في وضع دائرة ، سأل أحمد صديقه جاسم عن حَمَد :

كان حَمَد هنا والاَن هو في خبر كان ؟

أحمد : ما المعنى ؟ وقد إمتنع وجهه وتغيَّرت ملامح عينيه معبرتا في إلحاح لمعرفة الإجابة

جاسم : لقد ترك البقعة وغادر رفقة زوجته وأولاده إلى إنجلترا .

من ؟ هل مرَّ على ذلك الوقت الكثير ؟ يردُّ عنه أحمد بلهجة لا تخلو من التساؤل ؟ و

يواصل : لم أسمع عن هذا ؟

ينظر جاسم إلى ملامح صديقه مترقبًا صدور كلماته :

ومن اين لك بالسماع ؟ فلا أنت هنا؟ ولا أنت معنا ؟

في هذه الأثناء يتدخل “الطاهر” :

كلُّ شيء بأوانه وقد لحق أوان سفر حَمَد ..(فيقاطعه صديقه إبراهيم وكان واحد ممن

يجلسون إلى الطاولة ) (ثمَّ وهو يتذمَّر ) :

ومن ذا الذي يبقى ؟ حتى الحيوانات وما تبقى منها حيٌ من بعد نهبها لو تكلمت لقالت لا

أريد البقاء هنا ، حتى أنا لا أريد البقاء هنا (عن نفسه) .

كلمات إبراهيم أثارت ما بداخل الناس  من تنافر للنفوس وما بها من سخط وإنتقام ومقْتٍ

لِما تردت إليه الأوضاع .

كلٌ يُتمتم إلى من يجانبه ، والكل متعجِّب ولا أحد يملك الإجابة ، اللغة خفَّقت الألسنة

أحمد : ماذا بكم ؟ وهو يجذب كرسيه ويبعده عن الطاولة يواصل :

ماذا دهاكم أرى أنكم تريدون ترك الغرباء يأخذونكم عُنوة ؟

يرفع “سي الطاهر” نظره إلى أحمد وكذا يفعل “سي علي” أما أحمد فيتحدث بطلاقة عن

الحرية والتحرر وعن الملكية والتوسع ، أو ليس هم من هرب بأسرته تاركًا الجَمَل بما

حمل أم أنَّه يتناسى ويريد من الناس غير ما يفعل ؟

سي الطاهر : البارحة زارنا طيف العساكر (متجهًا بالكلام إلى أحمد ) زارنا العساكر

يبحثون عن قاتل القائد بنُّور ؟

ويواصل :

وقد قيل الفاعل من أهل البقعة .

يتظاهر أحمد وكأنه لم يسمع جيدًا .

سي الطاهر : لم يكن الطيف جليًا واضحًا إذ جاء في ليلٍ حالك ولم يمكث طويلاً .

أحمد : وكيف يحدث ذلك ؟ أو ليس الناس على معرفة بهم ؟ طبعًا ولا حاجة لمناقشة ذلك ؟

الواقع الأليم جعلَ الناس لا يحبون  بعضهم ، كلُّ واحد بعيد جدًا في واقعه عن غيره ، ولا

أمل لحياة النفوس وهي يراودها لقاء الموت لكل من بقي بها حيَّا على هذه الدنيا .

يتنفَّس أحمد أخيرًا عن كربته ويتحدث عن غيابه :

في حقيقة الأمر بعدما اَلت الأوضاع إلى السوء الذي هي عليه فضَّلت الرحيل ويواصل

وهو يحرِّك يدًا على يدٍ ومطأطئًا رأسه غارقًا بعيناه مدببا بالارض .

أحمد : البعض منكم يظنُّ أني هربت ( ثم يرفع عيناه) : إستسلمت للصبر مرغمًا لا مختارًا

الزوجة والأولاد ثم الوالد المريض وضرورة معالجته ، الكل إجتمع ، لهذا كانت المدينة هي

الملاذ يردُّ عليه جاسم وهو يتأنى ويسحب من فمه الحقائق .

جاسم  : وهل كنت هنا غير قادر على فعل ذلك ؟

أحمد : لا مؤكد لا أستطيع صبرت وصبري صبر العاجز المغلوب على أمره ، اَه متنهدًا

متأوهًا :

ذهبت بي الدنيا يمينًا وشمالاً إلى أن أخذت مني الشيخ رحمه الله .

سي الطاهر : ( من لم يكن يعلم بما حدث) :

أصحيح ومتى ؟ والله ما سمعت ؟

الجميع لم يسمع الخبر ؟

أحمد : الدنيا لا تستقر على حالة واحدة ، ومهما أحاطت بالإنسان المصاب فإنه عليه جعل

إيمانه الله يبدد كلَّ بأسه ويبعث في نفسه الأمل والعزم على النهوض بعد الكُبوة .

من يلجأ إلى الله ليحتمي به من المصائب فهو الخاسر ، ومن لم يصبر على بلواه لا يجد

من ينصره ، والذي لا يذوق مرَّ الحياة وحُلوها يعش على هامشها ، فلا يُدرك سرَّها و

كان حدُّ سيفه غير قاطع ولا بتارٍ .

أحمد : لكم أن تفرحوا شماتة فما حدث لي .

(وقبل أن يلق الرد من أحد ) قال :

لذا فعلى الرغم مما أصابكم فإنَّ الفقر ليس مرضًا ولا قدرًا بل هو أيدي وسواعد للعمل

لا للهرب ومُدارات مصائبنا والتفرج عليها .

………….                  ………                                  ………

هاهي الأيام تتوالى تعقبها الشهور تنهض نوال صباحًا ، كما إعتادت أيامها الترشي من

نسمات الصباح تكبها صحة جسمية لما فيها من هواء عليل خالٍ من الأمراض والجراثيم

ومتى سَلِم بنو اَدم من البراغيث فإنَّ عمره يطول غالبًا كما أنَّ حياة الدشور تُكسب صفة

نفسية وخُلقية حميدة من كرم وحسن المعاملة وسلامة الفِطرة ، كلَّ هذا يصهره في حياة

هادئة وسعيدة ، لكن من ذا مغيث الملهوث ومُنصف المظلوم .

تنطلق نوال في أعمال البيت إبتغاء إكمال أشغالها مبكرًا في الظهيرة هناك من سيأتي

عندهم ، هناك من يريد التقرب من العائلة في شخص (نوال) وإذا صار الإعجاب و

عَقبه الإقتناع سيتمُّ كلَّ شيء .

تدخل زوجة الأب إلى المطبخ ، تجد الفتاة منهمكة في الأشغال .

الأم : ما هذا ؟

أتركي كلَّ شيء وإذهبي لتجهِّزي نفسك ، أم أنَّك نسيت أنَّكِ عروس ( مبتسمتًا ومداعبةً

لها) ، تشدها إحكامًا بيدها اليمنى ، وتقودها إلى غرفتها وهي تقول :

اليوم الجمعة والكل ما كثٌ بالبيت ، هيفاء أختها الصغيرة تجلس مع نوال في غرفتها في

حين تنصرف الأم إلى أشغالها .

هيفاء : هل صحيح أنَّ من سيخطبك اليوم إسمه (عباس) ؟  هيفاء بنت لا تتعدى من العمر

الخمسة سنوات تُخرج الكلمات بصعوبة ، تردُّ عليها نوال وهي تصرِّح شعرها مقابلة

لمراَة جلبتها من الفناء .

نوال: نعم إسمه عباس وهل تريدي معرفة الأكثر إسمعي عمله :

يبيع الجواهر وسنه يفوق سني بثلاث أعوام فقط .

تلتفت نوال إلى أختها وتقول لها مداعبة :

وماذا تريدين أيضًا ؟

هيفاء وهي تلعب برجليها :

ستذهبين عنده .

تضحك نوال ملأ ما فيها عن ما قالته أختها الصغيرة حتى تتمايل يمينًا وشمالاً وقد تورد

وجهها ن وبرق شعاع في لون وردي فاتح لا فت :

ستأتي أمه اليوم ووالده وسنبحث الأمر .

تتوالى الساعات وهاهي الدار تحفل بالوافدين ، رجال ونساء على الموعد .

تجلس نوال مع النسوة كما إعتادت العادات وتركتها التقاليد يطلب رأي البنت فيما تراه

لكن النصيب لم يُحدد بعد .

تصطدم كامل العائلة بالخاطب هو رجل مُطلَّق ، وهذا ما ترفضه العائلة كمبدأ ، وإمرأته

لا تزال العالقة بظلمه ، هذا ما عرفه “سي الطاهر” من طالب النسب ، فيخيب أمل نوال

هذه المرة كذلك فهي أوَّل من رفض وعارض .

سي الطاهر : كلُّ القرية تعرفه وتعرف كامل نقاط جذوره من بداية الخمول إلى طرح

الزهور .

يجلس الثلاثة في المطبخ وقد وضعت طاولة القهوة بينهم كانت من الخشب المتين مكسوة

بجلدٍ وردي مزركش بورود بيضاء حيث وضعت الفناجين وإبريق القهوة إلى جانب قطعة

كبيرة من الحلوى التي حملها أهل العريس .

يضع الطاهر قطعة من السكر في فنجانه ويداعبها بملعقة ويذوِّب مذاقه به فيقول وهو

لا يزال واضعًا عيناها في الفنجان :

حظُّ نوال من السماء ( يضع الملعقة جانبًا ليرشف قهوته ) :

لكن لكلِّ عطلة خيرة .

كانت علامة علامات الراحة بادية على وجهه في غير كربٍ ويواصل:

وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم .

أمَّا زوجته فقد تضمَّرت لِما حدث ويحدث ، فكيف لأناس يقصدون بيوت الغير وهم

يخبؤون الحقائق ؟ وهل تغيب الشمس إذا حُجبت بالأيدي ؟

نوال لم تقل شيء ولم تنطلق ببتُّ شفَّة .

لذا لم يطلب منها والدها الكلام ، تتحجَّج بوجع الرأس لتنصرف إلى غرفتها وتغلق الباب

على نفسها تحاول زوجة أبيها اللحاق بها ولكن يشير عليها “سي الطاهر” بأن لا تفعل :

أتركيها ترتاح وفي الصباح تصبح بخير وعافية .

تعدد الخونة والخيانة واحدة البقعة تعج بالباعة ، الكل يدرك ذلك حدسيًا ، بقعة الحاج عابد

التي أبتليت ببعض أبنائها ، أجاروا عليها في ذلك فأوقعوها في أسر الإحتلال و التحايل

البغيض لا يدري أحد متى ينتهي ، وإن كانت الثقة في ضياء ينير الدجى والرواسي مهما

طال أمد المُسلمات لا يخالج الشك النفس فيها ، فقد أثبتت إرادة الناس دومًا أنها الأقوى

مهما تجبَّر الغاشم .

لقد أستبيحت أعراض النساء ، وسقطت المنطقة في النكس بسبب الطعنات المسمومة ،

إرتكبتها بعض الموثوق فيهم بخسة ونذالة ، باعوا الغالي والقريب ، باعوا شرف أسرهم

وإستبدلوه ببضع سنوات ضمنت لهم فيها الراحة الأحادية ، اَخذين معهم البسمة والفرحة

من القلوب ومن على الشفاه مسقطين أنفسهم تحت شبابيك المغول ونظام المعسكرات .

كيف قَبل من تربى في أحضان أبوين جزائريين وإرتوى بمياه نفسهما العذبة ، أن يسلِّم

ملامح الحياة المنبعثة من السواقي الرقراقة في ظلمة كاحلة ، وكيف لمن أئتمنَّ على الأخت

والزوجة وصلى رافعًا رأسه نحو الكعبة أن سلَّم رقاب الأهالي لمن لا يعرف إلاَّ الحناجر و

الدماء لمنحه السلطة على الأرواح فيعبث فيها كيفما شاء .

………….                           ………..                         ………….

هذا الصباح يخرج أحمد يتمشى في الهواء ، وتحت الإشارات الأولى من خيوط أشعة

الشمس الأولى لبداية يوم هادئ .

الشتاء على نهايته هذا العام من1995وهاهو على عتبة الإضمحلال ، الكل متفائل خيرًا

حتى الحيوانات المتبقية في الإسطبلات تنادي الفرح والخير المهجور .

يجلس أحمد في ركن مُشرف على ساقية عالية هي أكبر السواقي بالناحية ، حيث ينساب

ماء قليل قادم من أعالي بلدة الصبحة .

يجلس أحمد جاعلاً يديه داخل جلبابه الوبري وعمامته على فروة رأسه ، المار به يظنه

كومة من القش .

مطأطأ رأسه مُركزًا نظره على كومة الوحل أسفل رجليه أين أعلن حذاءه الإستسلام لولا

عُلُوه هاربًا بأذنيه إلى أسفل الركبتين بقليل .

المنطقة جميلة بها مساحات واسعة من الخضرة حوت أراضي مزروعة قمحًا وشعيرًا

على حافتها اليمنى ، في حين تراصت الكروم كغلاف لجوهر مغروس أشجار الحمضيات

وهو ما عرفت به المنطقة ، لترسم صورة بأنامل الطبيعة ، الناظر إليها يأخذه شعور

باللامعقول يحتاج وصله .

أمَّا السرداب العميق ، الذي إنحصر في رقعة وسعة من الجانب الاَخر المحاذي للساقية

ما فصلته عنه سوى طريق ترابي واسع ، وهو ما يقيم المشاعر في رومانسية أخذت النفس

مرفرفة بأجنحة فوق الهواء .

مشروع تعبيد الطريق الذي مضضته الأوضاع الضائعة ، فهو ليس بالطريق السالك إلاَّ

لمن طالت عجلات نقالته عمرًا ، ولطالما تعالت شكاوي الأهالي والتي رفعت إلى والي

الولاية ن ولكن إختراق دائرة البيروقراطية ودائرة التعصُّب أفشلت كلَّ المحاولات .

هكذا أسلموا الدهر لمن أعمدوا سيوفهم بلا شفقة وغرسوها في ظهور الناس فباعوا

غيرهم ودمروا من تبقى .

يمرُّ “سي علي” بقرب مجلس أحمد ، ويعود بقطيع غنم وبقر كسا جلدها وبرٌ أسود

رسمت عليها رقعات بيضاء جعلت منها زخرفتًا من إبداع الخالق .

سي علي : السلام عليكم كيف الحال ؟

يردُّ أحمد : الحمد لله أحسن بكثير ، (وهو يبتسم) كاشفًا أسنانًا ناصعة البياض ، تراصت

اَخذة نظام محكم .

يُكمل “سي علي” طريقة إلى المراعي مكانًا يسمى ” بالعرجة” أين إعتادت الأهالي أخذ

مواشيها تمرح وتأكل من أعشاب الأرض الطبيعة وهو تراب حرٌ.

وعلى الرغم من جمال هذا المكان ، فلقد تناقصت الخطى نحوه بشكل يدعو إلى لفت

الإنتباه ، سي علي رجل تعدى العقد الثالث من العمر ، نصفه الثاني مكتمل البنية التي

إستصاغته من إكتمال بنية أهالي البادية ، الراحة وصفاء الهواء الطبيعي بالإضافة

إلى الغذاء المكتمل ، أمَّا عن ملامحه فكفته نبراته الثاقبة الكبيرة .

وأكثر ما يميزه أنه أفطس الرأس عند دائرة الدماغ أين كست الأركان المتبقية شعر خفيف

هنا وهناك وأنف غليظ تدنت عنه شفاه على سمكٍ عريض ، له من الطول ما غطى تضخم

جسمه ، وأكثر ما جعله يتميَّز ، حاجبيه الكثيفين  في طول حتى حاشية الشعر ، وبشرة

سمراء فاتحة ما أظهرته مراسيم المُحيا باغتت كلَّ الوصف .

يتابع “سي علي” طريقه إلى أن يتوارى عن الأنظار ، كلُّ هذا وأحمد يتبعه حتى يغيبه

عن الأعين فلا يسدل جفونه عن عينيه حتى يعود “سي علي” وأمامه قطيعه يداحيه من كلِّ

جهة ويستعجله السير .

سي علي : هيا هيا من هنا ، يا ألله لا حول ولا قوة إلاَّ بالله ، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله ؟

وقد تغيَّر وجهه وإمتقع لونه ، كتبته ملامح المزعج المذهول ، الهارب والخائف من

طيف أمامه .

وما إن لمحه أحمد حتى وقف مهللاً :

ماذا هناك ؟ ماذا حدث ؟ لماذا كل هذا ؟

يُرسل أحمد كلماته إلى سي علي على مسافة أمتار بينهما ، ولكن صديقه لا يتكلَّم حتى

يشرف عليه ، يقول سي علي وهو يلهث ( وقد سخر منه وجهه لَما لم يسعفه لسانه على

الحديث ) :

هناك إمرأة ميتة ( وهو يشاور بيده بإتجاه المكان ويواصل :

إمرأة ذُبحت ورميت جثةً هامدة في الخلاء ؟

هذا ما قاله “سي علي” وعلى وتيرة كلامية سريعة مرتجفة ، أين خرجت الكلمات تقاطعتها

تنهدات وهضمت غالبية حروفها ، يقود قطيعه غير مبالي إذ كان كاملاً أوتناقصت منه

ماشية ، وهذا ما فعله أحمد بعدما أثمر به الخوف الذي زرع به ، لينزل من مرتفع الساقية

مواليًا بيته ، وفي الطريق مرَّ بقرب إبراهيم راكبًا حماره ، فأخبره بالواقعة على محمل

السرعة ، فما كان من الرجل إلاَّ أن يضرب مؤخرة الحمار بالنعل ليزيد في السرعة

مبتعدًا عن المكان ، فالأوضاع لا تستحمل أيُّ خطئ ، قد تقوم القائمة إلى شكوك لا يحمد

عقباها ورجال الأمن مفَتحين الأعين موجهين الأوجه والأصابع إلى الناحية كونها بؤرة

إجرام بما في ذلك الأفراد المقيمين وحتى الوافدين لا ظالم ولا مظلوم ، لا شيخ ولا

شاب ، الناحية هي بؤرة الهلاك ما زادتها خاصية طبيعتها ، وأماكن تُخفي في جحورها

الأفاعي التي تبخُّ السموم القاتلة ، وسي أحمد هؤلاء الموضوعين تحت المجهر ، حقيقة

لا تخفى على أحد وسببها نتائج أملتها معطيات ورؤى لوقائع حقيقية .

عند منتصف النهار ، وتوسطت الشمس السماء مرسلة أشعتها الشتوية الذابلة أين هرع

الناس إلى الأماكن المشمسة تبحث عن الدفء لإذابة ما كساها من رطوبة عكستها

رتابة نفسية .

هذه اللحظة تمرُّ قافلة من العساكر على الطريق الترابي المؤدي إلى العرجة الخضراء

القافلة تتكوَّن من شاحنتان إزدحم بها صفوف أفراد الجيش الوطني متبوعتان بسيارتان

لأفراد الشرطة القضائية ثالثتهم مالت نحو الطريق المؤدي إلى بقعة ” الحاج عابد” هاهي

لحظة بلحظة تقترب من الجموع المجتمعة .

سي علي لم يملُّ التحدث راَه ، سي الطاهر والشباب وحتى الشيوخ ، لكن أين أحمد لقد

توارى عن الأنظار في الساعات الأخيرة من الليل هكذا قيل لهم .

هاهي سيارة رجال الأمن تقترب من المجموعة ، يشير عليهم جاسم بالصمت ، وما إن

توقفت عجلات السيارة عن الدوران ونزل أحد رجال الأمن من السيارة ، وإتبعه اَخر

بدون كلام وبمعنى بادٍ ، يريدون تقصي الحقائق أو جسِّ النبض .

يقول الشرطي : ألم تحدث بالمنطقة أحداث غير معتادة في المدة الأخيرة ؟ ينظر الشرطي

في الأوجه ، فلا ملم يشفي الغليل ويواصل يبغي التوضيح :

مثلاً أحد غريب دخل المنطقة ، أو أحداث سطوٍ أو تعدي ؟

ولأنَّه يجب أن يردَّ أحد ، وهل هناك مغيث ؟ وإلاَّ ظنَّ بهم المؤامرة .

سي الطاهر : الحمد لله لحدِّ الاَن لم يحدث أي طارئ أو تجاوز من طرف متطرفين .

يعتدل الشرطي في وقفته ويعيد الكلام موجهً إلى من سبقه بالحديث :

أقصد أحداثًا من نوع حادثة اليوم ، لقد قصد الشرطي ما يعنيه من الكلام ووضع يده على

الجرح ، وعن سابق إسرار ، والناس لا شيء يخيفها غير مطبات الحديث ، إغتيال المرأة

إبنة التاسعة والعشرين من العمر يقول الشرطي .

ثمَّ يعيد التأمل ويطيل النظر في أنظار الواقفين من الأهالي :

الم يصل الخبر مسامعكم ؟

فلا أحد يرد ، يصمت الشرطي هُنيهة واضعًا يديه على خصره مركزًا نظره في تراب

الأرض ، الشرطي صاحب هيبة ، وطبيعة صادقة يصرخ بها وجهه ، ولون بشرته

يُلوِّح أنَّه من الجنوب ، الهزار غير وارد في مثل هذه المواقف ، فإمَّا نعم أو لا ، ويرفع

رجل الأمن رأسه :

الواضح أنَّكم لا تريدون الكلام هذا لا ينفعكم في شيء بل سكوتكم يفند عملية تواطؤكم

معهم وعم المغتالين .

هذه اللحظة ينظر بعضهم لبعض في حركة إحتجاجية ، وكأنَّ الأمر يرقهم .

يقول جاسم وهو الشاب الوحيد من بين الثلاثة :

لم نسمع إلاَّ الاَن فقط من “سي علي” الذي عاد من هناك .

ودون أدنى تفكير يرد الشرطي :

وأين هو هذا ؟( وهو يتذكر إسمه ) سي علي ؟

سي علي : أنا هو ، وتردد الأنفاس يسترسل ، يتقدَّم الشرطي وهو يدحي بطنه الضخمة

نحو سي علي ، في حين ينزل الشرطيان من السيارة ، ويبقى واحد في ركن القيادة

يتقدم نحو الجماعة

الشرطي مخاطبًا سي علي : مفاجأة أليس كذلك ، ينظر الرجل إلى الشرطي في ذهول و

حيرة دون أن ينطق ويواصل :

لما رأيت الجثة هامدة ذهبت عمرك وجاءت عمر أخرى .

سي علي في حزمٍ : مضيت في الصباح إلى المرعى كما إعتدت ومع مواشيا ، وبمجرد

ما وطأت أقدامي التربة رأيت ما قيل لك ، فعدت طريقي .

الشرطي بلهجة المشكاك ويهوى على حك ذقنه :

سلوك مقبول ؟

سي علي : ( وقد شمَّ أنفه رائحة شكوك ) أحلف بشرفي ما أقوله هو الحقيقة ، حتى إسأل

أحمد كان هناك لحظة عودتي من المكان .

كان وقع الإسم على مسامع رجال الشرطة كالصاعقة التي تنساب بدون سابق إشعار

الشرطي : أو ليس هذا هو أحمد المافيا ؟ هل هو هنا ؟

موجهًا الكلام لصديقه الشرطي والذي يوجهه بدوره لسي علي :

هو أحمد المافيا اليس كذلك المدعو “بيسة” أوامر لهجة الشرطي ونبراته تصرخ بالإجابة

وتلحُّ هل من مجيب وإلاَّ كانت العواقب لا يحمد عقباها .

للخروج من حرقة أسقطت الجميع في البؤرة مُحتمة ، على أحدهم أن يرد على التساؤلات

أحدهم ينقذ المجموعة يواصل :

لا شكَّ وأنَّكم تفكرون أيضًا في الرجال والنساء الذين وقعوا في أسره .

أنتم الاَن تواجهون خيارًا حاسمًا فأمَّا أن تدلونا عن مكانه ، أو تتركون أنكم فريسة له

والمتكتم على الجريمة هو مجرم ، إنَّه الحزم ينطق .

سي الطاهر وهو الشيخ الثاني في الجماعة إلى جانب العم رضوان الرجل الذي بلغ من

الكبر ما لا يؤهله لتحمُّل الصدمات ولا إلى المفاجاَت .

سي الطاهر ، أحمد جاري الجانبي لقد عاش معي ما يقارب الأربعين سنة ، وخلال سنوات

فقط وبسبب ظروف عائلية خاصة به إشترى أحمد منزلاً له ولعائلته بالمدينة وهو مقيم

هناك .

يُهمهم الشرطي وينظر إلى صاحبه وعلى أكثر تقدير فإجابة الرجل لم تستشف الريق

لكن لا مفرَّ من هضمها ، ليستدير إليهم قائلاً:

إنَّ رجالنا الشجعان يسعون لتحقيق الطمأنينة والأمان على قدر الإمكان ، ومثلما ترون و

على مراَ العيون وعلى شاشات التلفزيون ، فإنَّ الموت قد فنَّك بجزء كبير من أبناء هذا

الوطن الغالي ، لذا لا أعيد عليكم ما يجب القيام به فور سماعكم أو رؤيتكم ما يضرُّ

بالمصلحة العامة والتي فيها مصلحتكم .

لذا أريد منكم أن تتطوعوا مع رجال الأمن ، كما أنني واثق تمامًا بتعاونكم معنا .

كانت هذه الكلمات اَخر ما نشره الشرطي من غسيل على مسامع الناس ، قبل أن يركبوا

سيارتهم ، ويعاودون طريق الرجوع .

الأوضاع المتقدمة في التردي لا تستحمل رشَّ البنزين ، والكلام بدون إدراك قد يُهلك قائله

الأهالي يدركون ذلك ، والبلاد تعيش حالة طوارئ قصوى ، وهي دنيا لعالم كثيب ، الموت

في كل مكان ، وعلى كل رقعة من هذه الأرض ، وعلى قارعة الطريق ، وما أكثرها في

الظلام وعلى أجنحة الخفافيش ، أين يحلو التنقل بحرية ويُبعث من يريد العبث والذبح و

السطو في كل حين ، المناطق المعزولة هي الرؤى مثلما حدث مع “فوزية” حلاقة

النساء بالمدينة ، إمرأة مطلقة ذات الثلاثين ربيعًا وأم لولدٍ تجاوز العاشرة من العمر

رُميت جثةً هامدة بعدما نالوا منها .

القلوب ضاقت وقست ، ضاعت الرحمة وتناثرت في مهبات الريح ، فلا بكاء أم ثكلى

ولا رضيع يتيم ، ولا شيخ هلك زرعه ن ولا شابٌ راح مستقبله ن الكل رهن حسابات

زائفة ، منذ وقوع الحادثة غاب أحمد عن الأنظار وإفتقدته الأبصار وحتى الأصحاب

لقد رحل وترك بيته بالضيعة ، رحل ولم يترك عنوان ولم يقل إلى أين ؟

القرية  لا تبعد عن الشرطة إلا مسافة أربعة كيلومترات أو ما ينقصها بقليل ، تبعه رجال

الشرطة إلى فيلاته بالمدينة ، فقالت جارته :

لقد باع كلَّ شيء ورحل ، ولكن إلى أين ؟ كذلك لا تدري ، سوى أنَّها رأته يجمع أثاثه

في صباح يوم ماضٍ ، وحمل أهله ورحل .

لقد وجد رجال الشرطة بالمكان أشياء غريبة ، أشياء تبعث على الدهشة والغرابة ، الفيلا

أضحت منزلاً لأهالي جدد ، ولكن الإذن بالتفتيش حقٌ ، وهاهي دائرة على كامل أركان

البيت ن ملابس لأناس كانت قد إغتالتهم الأيادي الاَثمة ، ويبدوا من سرعة رحيله لقد

نسى أخذ بعض المسجلات الصوتية معه ، لقد قاد نفسه إلى القاع  ، فلم يبقى له الكثير من

الوقت على السقوط .

تورد وجه الزوجة وزوجها تحكي ما سمعته عن جارهم أحمد فالحقيقة عقدت الألسن و

صرخت بالفظاظة ، كانت نوال الثالثة إلى الطاولة ولأنها عرفت العلاقة التي كانت تربط

قاسم بأحمد فكلُّ شيء طاهر .

تنظر الأم إلى أعين زوجها وهي تناوله سلة الخبز :

اَه ، ومن كان يتصوَّر الأيام وحدها الكفيلة على كشف الدسائس ( بنبرة تأثرية) الله يحفظ

الأيام القادمة وأولادنا وأولاد المؤمنين جميعًا .

تستغرق الأم كما البقية في تناول ما أمامها ، وملامحها تنطق حسرة ناقعة كبَّلت لسانها

مالها من مُعربٍ فيما أصاب إبنتها وما إقترفه الصديق الروحي للعائلة بما جلبه من تعاسة

لإبنهما ، أمَّا سي الطاهر فكان في غياب عن الجميع ، والحقيقة مرة وأكثرها صعبة

فأحمد أعدَّ لهم هجاء مُرًا فيما سلَّطه عليهم ، فأثَّر فيهم التأثير الشديد ، وإستوى فيه أوَّلهم

باَخرهم ، فقد خضعوا لسطوه فلدغهم لدغة قاسية .

لقد ثمل سي الطاهر مصابًا وبغيًا ، لا يعي ما يقول ولا بماذا يردُّ أكان مؤوانس ، ورفيق

لرجل أمير مجموعة ومقيم في معسكر من المعسكرات الجهاد ، فإذا كانت لفرحته مكمنًا

غشاها فقد أتاها الوقت لتتعرى ، واَن له الأوان أن يذوق المر الذي أخفاه ، وإذا كان

الشوق عذاب فنحن تجرعنا منه الثمالة ، وهاهو الجار ضياء ن ونحن أوَّل من وخزه

بمسمارٍ مصدى ، لقد هلك من بنى على الروح الإنسانية جدار الأثام .

بقعة “الحاج عابد” إكتوت بنيران أبنائها ، وإغتسلت بسموم ثعابين أذاقوها الخبث وجذبت

إلى الهاوية ، لذا فقد أصبح يخشى كلَّ من فيها الضلال والشطط ، فلو كانت حادثة عابرة

لكانت الأيام أخفُّ وطأة على الصدور ، لكن أن تتتابع الطعنات وتتركز في مكان واحد

فهي ذي أسباب الموت العاجل .

أحوال الأرض والناس تعطي الصورة الحقيقية وهي ذي الوقائع المستتبة على مسرح

الدهر القاسي ، الأيام الأخيرة من العام الحالي تروح لحالها ، وتتوارى التاريخ ستة

سنوات متتابعة ، والتعاسة تقبع على الأنفس ، وتشدُّ بحزم الزمام ، وبحدة الخناجر في

خنقٍ وضيقٍ ، بعدما شعلت الضلالة فرجَّفت الضلالة وكذا الورى ، وعلى الرغم من

ذلك فالدين يغمر الأرواح بنور الرضى ، ونفس تنادي على الحق ، أين الضمير

نُشهده ما نحن عليه .

لا أمان ولا إئتمان ، إلاَّ الأوجاع والأضرار ، أوضاع البقعة تبكي الصديق وتنبه الغريب

فالأولاد ممن هم في سنِّ التعلُّم قد كلَّف والديه عناء تسجيله في مدرسة المدينة ، وعلى

الرغم من العوز وعسر الأحوال إلاَّ أنَّهم رسَّخوا ذلك إكرامًا للحال وإحتياج ظرفهم

فالتعليم ضروري ، ومطلب سبقه الحق للأولاد ، أمَّا البنات ممن وصلنَّ سنَّ التعليم فقد

إنطفأ قنديل نور العلم عليهنَّ .

العار يوسوس العباد ليتربص بالعائلات ، ومن يخاف ذلك تفادى الضرر ، ومن نفذت

بنفسها فلقد سابقت سنها التاريخي ، وإلتحقت بالجامعة بالمدينة أو بالولايات المجاورة

تلك الفتيات من أسعفهنَّ الحظُّ وقبل إندلاع بركان الأرض حممًا ، ومن كانت محظوظة

وإزدهر طالعها الفتاة” سلاف” بنت الحاج رضوان واحدة من ثلاثة عائلات بقت في البقعة

“سلاف” بنت الحاج رضوان أحد الثلاثة من بقت بالبقعة .

“سلاف” بنت ذات الثاني والعشرين من العمر ، تدرس بكلية التكنولوجيا التابعة للمدينة

المجاورة وقد مضى عن تعليمها العامين من التدرج .

بنت على قدر من الجمال ، ولها من خفة الروح ما ورثته عن والدتها الحاجة حليمة و

الوالد رضوان ، لقد إرتدت تنورة طويلة ، ووضعت وشاحًا تفاديا لأية حادثة ، فلا

الوالد ولا الوالدة تريد الضغط  على إبنتها ، ولولا ضغط الظروف التي لا تترفق ولا

ترحم ن فلا شيء يؤرق فكر الوالدين أخطر من المسالك الوعرة التي أضحى تخطيطًا

ونوع من الظروف الوعرة ن فلا وقت ملائم ولا ظرفًا ، ما جعل حليمة لا تعقل ولا

تخفق في توصية إبنتها بأن تفتح ناظري إبنتها ، أكثرها إختيار الوقت الملائم للترحال

وأحسنها ما كان في الصباح ليكون على مرأى الجميع ، أوقات مضت تضاربت فيها

الأصداء ، إختلاق الحواجز في الطريق السريع ، وحواجز من تأليف الجماعات المسلحة

وغير بعيد الكثيرين من العابرين غدو الضحية ، المخاوف تتزايد بتزايد وتيرة العمل

الهمجي ، البلاد في حالة طوارئ ، وعلى قسوة الحاكم العسكري ، فلا شيء للطمأنينة

أسراب تضيع كلَّ يوم لتدخل متاهات النسيان خراب وضياع ، غابت زوارق الأمان

على شواطئ بلادي ، وبرك الدماء غلبت بكتفها برك المياه العذبة ، سواقي الأراضي

المزروعة غابت بها رقرقة المياه الساقية بعدما شُلَّت بإحكام ينابيعها ، إنَّه التلاف ، القوة

التي تحكم العباد هي قوة السلاح لا قاتل ولا مقتول لا بذيء ولا مجرم ، الكلمة بحدِّ

السلاح ، إذا أسلمك لسانك فقد أسلمت ، بائعي الموت يتربصون في كل مكان لمن أراد

الشراء بأرخص الأثمان ، أوضاع معيشية مزرية ، كل شيء غلا ثمنه إلاَّ الإنسان

فثمنه يدنو كلَّ حين .

الظرف أوجب تغيير السياسة الإقتصادية ، لبلع ما وطأته أقدام الفشل ، ولتدخل البلاد

تقود أمامها العباد إقتصادًا يسمى إقتصاد السوق ، ليكون نافذة تتنفس منه رؤى جديدة ، تفتح

مضامير الحياة .

الحكومة المؤقتة توسع الأقدام ، تصارع الأقدار  ، إنَّه عهد الديمقراطية  أين ظهرت على

الساحة الوطنية كتل حزبية واسعة النطاق ، تؤم شرائح شعبية كل لمن إرتاح ومالت

عزيمته للتهيؤ ، و خلال شهور قلائل ستختار البلاد بناءًا لها ، ورجل أوَّل للبلاد ، و

سيتضح على ضوئها المسلك الواقعي لسياسة ستنتجها البلاد .

هو ذا عام 1998 سيرى الناس أيامه ويعيشونها ، وهاهي ساعاته تقترب ، أحمد لم تطأ

أقدامه البقعة منذ شهور ، ولا مستجدات تقشع الغيمة عن السماء الزرقاء الشاحب فضاؤها

والألسن تعقدها المخاوف ، فالجوسسة تحت الأشجار ومن وراء الجدران تتربص الخطى .

وهاهو الربيع ، وهاهو في باحته يتنفس في تمهل ، وسارت أيام من شهر مارس الدافئة

تنهض “حليمة ” والدة سلاف مفزوعة ، تغادر فراشها وتتجه إلى المطبخ لإعداد فطور

الصباح ، هو خبز من القمح الصلب الذي تعوَّد الحاج رضوان زرعه على أرضه ، وحليب

من البقرة الهولندية ، فلم تكن العائلة لتتسوَّق لولا إحتياجاتها المُلحة لمواد مفقودة في

الدكاكين كالقهوة والزيت .

فالعائلة تأكل من رزقها وغلات أرضها التي تقوم بزرعها الوالد  وولده عبد الله ، وهو

شاب ذو الثلاثين من العمر قبل أن يغادر الدار وقد مضى عليه ما قارب الشهرين .

لقد لعبت الأوزار بعقله بإنضمامه إلى إحدى التنظيمات الإسلامية تدعى السلفية والجهاد

هذه المنظمة قيل عنها الكثير ، وما علق بالأذهان تسميتها بالهجرة والتكفير ، والتي تدعو

إلى الموازنة والإعتدال ، لذا فقد إستهوت الكثير من الشباب ، كما عصفت بمرزاق وهو

شاب من الحي والذي أغوته الإغرءات ودفعته الحاجة إلى التغيير .

وهاهي تمتص عبد الله بن الحاج رضوان منذ شهرين خلت ، ودموع الأم لا تكف ، ولا

ينخفض لها نحيب ولا عويل في صمت قاتل ، شهر كامل وهي طريحة الفراش ، حتى

الأشهر الأخيرة أين تماثلت إلى الشفاء ، كما ساعدتها مؤانسة ومرافقة نساء الحي وخاصة

زوجة سي الطاهر التي لم تغب عنها ليوم واحد فهي الجارة والأخت والأم والخالة .

من ذلك الحين ولسان الأم لا يكف عن القول :

أولاد الحرام لم يتركوا الناس على أحوالهم ، ليمتدوا إلى داخل ديارهم .

تجلس الأم إلى طاولة القهوة ، وتصب فنجانًا لزوجها ، وهمَّت بإضافة الحليب ، فيشير

عليها زوجها بعدمه .

حليمة : هذا الصباح حلمت حلمًا ، وتتوقف قليلاً :

الحمد لله ، التضمُّر والدهشة قلبنَّ ملامح الزوجة ، يحمل الرجل فنجانه إلى شفتيه و

يغرق في صمته ، فتعاود حليمة :

لقد رأيت فيما يرى النائم أنني اَكل اللحم الغير مطهي ، وكأن سلاف هي من أتتنا به

يضع الحاج رضوان فنجانه على الطاولة ويهمُّ بالتوقف .

رضوان : تفكيرك هذا فقط من يصوِّر لك ذلك ؟ ماذا بها سلاف ؟ تدرس وين راهم

صديقاتها .

تسرع الأم في وقفتها كما تسرع في الكلام :

لا ، لا ، فمنامي لا يخيب ن وتحاول الوالدة تذكيره بما فات .

حليمة : ألا تتذكر ماذا رأيتُ قبل أن يذهب عبد الله (وهي تشحن تأوهاتها) :

اَه ، هل تتذكره ؟ ألم يصدق ما رأيت ؟.

لكن الحاج رضوان يسارع الخطى نحوى الباب الخارجي ، ويودِّعها بكلمات تلطيفية منه .

فحليمة لا تستحمل الأوجاع ، ولا توجعها من فقدان إبنها ، والذي لم يترك فراقه لها قوة

نفسية ولا جسدية تكابر بها وتعاند الضرر ، والتي إمتثل وجهها إلى الشحوب الدائم ، و

تجعدت وجناتها فزحفت بها الملامح إلى ما يقارب الثمانين من العمر ، فالتفكير وطول

السهر وبكائها إبنها جعل جسدها يتضاءل إلى ربع ما كانت عليه ، فبرزت عروقًا

زرقاء دامية على يديها وقدميها .

تعود حليمة أدراجها إلى المطبخ ، بعدما أحكمت غلق الباب خاف زوجها ، فوضح النهار

والناس في مأمن ، وكيف لعائلتها المتطرفة المسكن والمطلة على الجهة الجنوبية من

بساتين الحمضيات الكثيفة وتفرده الموقع أن لا يخشى المفاجأة .

فهي عائلة تسكن بأرضها الخاصة التي تبلغ الستة هكتارات ورثتها توارثًا في سلالة أبًا

عن جدًا ، ولم تكن هذه الخاصية للعائلة بمنأ عن العائلات الأخرى ، بل أغلبها متباعدة

الإقامة وكلٌ في أرضه ، إلاَّ بيت والد جاسم والذي بنا على أرض حكومية ، هذا الإستثناء

له وحده ن وقابلته العائلات الأخرى سكنات خاصة بأراضيها ، في غير تباعد للهوى

فأنفاس أهل البادية هواء مُوحد ولعلَّ هذا الإنتظام ما جعل الجماعات تقصدهم واحدًا

واحدًا دون تفطن أحدهم للاَخر .

أضحى الأهالي فرائس لليالي الظالمة ، والأيدي الدموية الهمجية المتعسفة التي قهرتهم

فقهروها بصبرهم بعدم تخليهم عن أراضيها ، والصبر رضوان هو ذا ينير البصيرة

ليمزج روح المقاومة بروح دينية قوية متشبعة بما أتت به الكتب السمويَّة من جديَّة

وقوة للنفس البشرية .

لا يعرف كم مضى من الوقت ، قصر أمده أم طال إلاَّ والباب يُقرع بشدة وعجالة ، كانت

حليمة تعجن خبزًا من القمح الصلب وهاهي تضع القصعة بين فخذيها مشمِّرة عن ساعديها

إلى أن يقرع بدقات قوية على الباب الخارجي .

المرأة متحجبة لا تستطع رؤية الغرباء .

حليمة : هذا الصوت ليس صوت دقات الحاج رضوان .

تنهض عن القصعة وتسرع إلى الباب وهي تمسح يديها بمنشفة أخذتها من خيط الغسيل

المنشور وسط الدار .

تقرِّب أذنيها إلى فتحة الباب ، وتنظر من المفتاح مختلسة النظر فترده وهي في حيرة

حليمة : إنَّهم رجال ، وأظنُّهم كثيرون .

تتواصل الضربات بشدة ملحة لا بديل عن وضع وشاح وفتح الباب .

تفتح المرأة الباب وتصرخ بدهشة كبيرة ، عبَّرت بها شفتاها المنفتحتان عن اَخرهما ، و

خلفهما الملامح .

تقف حليمة مسمَّرة أمام رجال الشرطة .

حليمة : يا للهول ، ما الخطب ؟ ، تنطق عيون المرأة قبل لسانها .

الشرطي : هذا بيت الحاج رضوان شويكار ؟

حليمة( وهي على إرتكاب تام): نعم هو ذا .

الشرطي : وأين هو ؟

حليمة : خرج إلى عمله ، هل من شيء أوصله له ؟

الشرطي : إبنتك سلاف شويكار الطالبة بجامعة التكنولوجيا بمدينة الجزائر ؟

هنا يذهب عُمرٌ ويأتي اَخر ، عند المرأة سلافًا واحدة .

(تغيَّر لون وجهها وكشف ملامح توحي بالغرابة)

حليمة : هل هناك مكروه ؟ هل حدث لسلاف مكروهًا ؟

يُخرج الشرطي أوراق من جيب جاكتته ، ويتناولها بين يديه ، يتصفحها واحدة تلوى

الأخرى وكأنه يريد التأكد من تمامها ، كانت بطاقة هوية ، وصورة ، وصك بريدي

تحمل إسم سلاف شويكار .

الشرطي : البنت توفيت ليلة البارحة في الطريق الرابط بين المدينتين ، كانت الفتاة في

طريق العودة ، يناولها الوثائق بعدما تأكد من الصورة أنها إبنتها .

إختفت أنفاس الأم و إحمرَّ وجهها ، إسطكت أسنانها وإرتجفت يديها وهي تحمل صورة

إبنتها الميتة بين يمناها .

حليمة : هي إبنتي سلاف ، كلمات الأم متقطعة ، إختفت غالبيتها وبدون إضافات

يختصر الشرطي الموقف متملصًا من فاجعة المرأة مدركًا خطورة ما يحمله .

الشرطي : إبنتك ماتت ليلة أمس ، لقد حرقت بهم الحافلة ، الجثة بمستشفى المدينة ، في

الورقة هنا (وناولها إياها) كلَّ التفاصيل .

يعود رجال الشرطة إلى سيارتهم ، لم تستحمل حليمة الصدمة ولا تزال واقفة :

لا لماذا ؟ ومتى ؟

لا تحملها رجليها لتسقط جثة هامدة على عتبة الباب ، وهاهو الوالد في طريق العودة

لقد كان رجال الشرطة يغادرون على مرأى عيونه ، فكم غريب ما يحدث .

لقد سمع الخبر من رجل عائد من الحافلة التي حُرقت ، وهو من البقعة ، لقد وخز قلبه

بالأباري ألف وخزة .

الحاج رضوان على عتبة الباب ( إشتمَّ رائحة الموت)  وجد زوجته صريعة ، لقد أدرك

ما كان …؟

إمتدت أيدي السطو إلى سرقة روح إبنته الوحيدة ، سلاف لم تنجيها لا صرخاتها ولا بكاءها

ولا توسلاتها ، ولا حتى دعوات أمها ، وهي تودعها على عتبة الباب ، لقد ماتت مخنوقة

خُنقت من بسبب تراكم الدخان الذي سمم الحناجر بعدما أحكموا اللصوص غلق الأبواب و

النوافذ وبعدما أضمروا النيران في العجلات المطاطية .

ماتت الفتاة لأنَّ النسور أرادت ذلك والثعابين إلتهمت حياتها ، فلو إستطعت إعطاءها شيئًا

من حياتي لتبقى لفعلت ، هي ذي الكلمات التي كانت تصرخ بها الأم ، هي ذي الظلمة

وفي وضح النهار ، يريدون أن يطفئوا النور بأيديهم ، أنا هنا أبكيها ولا أستطع تفجير

الدموع التي تحرق وجنتيها ، اللصوص لهم حجة في أيديهم إتخذوها سلاحًا ليبرروا ما

إمتدت إليه أياديهم ، أثبتوا أنهم واثقون من أنفسهم ، وأنهم على حق ، حجتهم الدفاع عن

الوطن وعن الأرزاق والأرواح ، وهاهم يعبثون في الخلق ، أمَّا أصحاب الأكتاف

الحمراء فلا ريح تطالهم .

هاهي المراَة اليومية تعكس أحوالهم صوَّر واقعهم ، يرسمون تمثال أخلاقهم بإزهاق أرواح

الضعفاء وأيُّ ضعفاء غير النساء والفتيات .

هاهي زهرة تُقطف من منظر البنات فأظهرت للرائي مكانها العاري ، مصمتين القلوب

عِمي الفؤاد ، فراق البنت أبكى الأم حليمة وكواها أيامًا وأيام ، حتى ملَّت العين ذرف

الدموع ، البلاد ودَّعت كلَّ مسحة صحة وعفة .

تذهب الأم لأخذ حقنتها في مستشفى المدينة ، بعد إلحاح رضوان الشديد على إتمام

علاجها ، فالصدمة صفعتها وتركت الأصابع أثر وخزها .

هاهي السيارة تعبر الطريق إلى المستشفى الوحيد بالمدينة ، الحشائش تلفُّ طريق الذهاب

وتُخصب بمنظرها الأبصار .

الطريق خالية من الخيَّم ، لقد عصفت بها أزمات العصر وطال بها الزمن ، يتضح لأمامهما

قرص الشمس باحثًا عن أرضٍ لم تطأها أشعتها ، والأزهار تغطي التراب ، وتلفُّ جذوع

الشجر ، كلُّ شيء في حياة حرة له ، إلاَّ حليمة فذكرياتها تُكبلها والوحوش حولها ضيَّعتها

عبد الله وبعده سلاف .

يناديها زوجها : حليمة ، حليمة إنزلي لقد وصلنا .

يتقدَّم نحوها يسعفها ، ويسندها ، حتى يدخلا المستشفى :

لا تتركي الحزن يأخذك هيا هيا .

أمَّا حليمة فتسير بتثاقل كتفًا لكتف زوجها ، الشيخ مكافح وصابر ، يسيران بأجساد متثاقلة

يجتازا الممر الخارجي ، وينزلا المنحدر ، فيهويان أمام مكتب قبع عليه شيخٌ يرتدي مئزرًا

أبيضًا ، الممرضات أشكال وألوان بشرية غادية ورائحة تغرزنَّ أنظاهنَّ في العجوزان

يشير عليه الممرض بيده عن مكان أخذ الحقن فيتجهان إلى المكان .

مساكين هؤلاء كلُّ شيء ميِّت ، رائحة الموت ، رائحة الموت تخللتها رائحة الدواء

وتكتم الأنفاس ، حتى من يمنح الحقنة ، لا يُكلِّف نفسه ردَّ السلام ، الكل في سكوت

مأتمي تحسُّ بوخز الإبرة في جسدها ، هنا المهمة إنتهت .

تدير “عائشة” رأسها نحوى زوجها ، والذي يضع يده في يدها ويوليان اَخذا طريق العودة

على عتبة الباب الخارجي للمستشفى ردت حليمة نظرها وجهة اليمين حتى أبعد حدٍ ، إنَّها

القمامة ورائحتها المنبعثة تأخذ الدماغ إلى بعيد ، وتُعلِّل قلب المريض بترسباتها في النفس .

حليمة لزوجها : هذه الفضلات لماذا لم يهتم بها العجوز الذي إستقبلنا على عتبة الباب ؟

العجوزة تتكلَّم بدافع نفسي ، وتصدح بما يُمليه ضمير إنسان صاحٍ وتواصل :

أمامهم الماء يضيع عبر المسالك الترابية الطويلة ، الناس كسلا لا عمل ولا وظائف لهم

الشيخ العابس بالباب قادر على جمع كلَّ هذه القاذورات وينجي العباد يالله على أعصابهم

إنجرَّت نفس المرأة لنداء الوجدان ، ومالت على أريكة السيارة متعبة مسلَّمة روحها في

تنهدات مستسلمة متضائلة .

الحاج : لستِ وحدك من تعاني هناك أكثر بكثير من هذا ، والعباد عمي عن هذه القاذورات

حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه .

غطت الدهشة وجها الزوجين ، وحضرت الزوجة أوَّل مرة إلى هذا المستشفى الذي دثَّره

السواد وحيدًا واقفًا وسط صدى وحش الليالي ، ذمامته تحرق الدماء المتدفقة في العروق

هنا يقصد الناس المكان للعلاج ، وهنا الراحة التي يبحث عنها المريض والدواء الشافي

للعليل ، هنا بسمة المريض واللحن الذي ظلَّت تحنُّ إليه مئات الناس ، لا شيء يرنوا و

لا اَخر يحنُّ ، لتبقى البناية شاهقة كما النعش الذي تحوطه بقايا الجراثيم والبراغيث

الصخور تردد صدى سيارات المارة من هناك ، وفي المنحدر هاهي تميل إحدى السيارات

إلى الطريق المؤدي إلى قرية “الحاج عابد” ، تظهر سيارة من نوع بيجو 204 زرقاء تميل

إلى البنفسجي ، تخرج من المنعطف ، فتلتقيا السيارتان ، فيميل صاحب السيارة مِقوده

بسرعة ، إنه يسرع سرعة من يريد الهروب ، ولأنَّه جنبًا لجنبٍ مع مقود الحاج رضوان

حتى سهَّل النظر في وجهه لفَّته ببريق عيونها ، إنَّه أحمد جارنا بالبقعة يقول رضوان

ترفع الزوجة رأسها وتدير نظرها ، لتجد السيارة قد إبتعدت ودارت عن الأنظار حتى

تلاشى منظرها .

الحاج رضوان : هو أحمد هل تهتِ عن وجهه ؟

تأخذ حليمة الكلام عن لسان زوجها وردت : فل شرًا أن ترى ما تخشاه .

لا تزال سيارة الحاج رضوان تتقدَّم من مدخل البقعة رضوان :

قيل أنَّه عزَّل مسكنه بالمدينة ؟ يا له من رجل ؟

يواصل : من كان يصدِّق أنَّه وراء البلاوي التي نحياها ؟ ومن يقول أنَّ هذا الوجه

هو المُقنَّع والذي يُخفي الشرَّ الأسود تحت جفونه ؟ اَخٍ يازمن .. لم يبقى فيكَ لا صديق

ولا حبيب ولا ثقة ولا أمان ، ثمَّ وهو يبتسم وينظر إلى زوجته :

من غير ركبتك لا يوجد لك صاحب .

تتوالى الأيام وفي نفس الروتين المأساوي أشلاء وجثمان كلَّ زمان ، أيام غابت على

أراضيها شمس الحق  ، فعضته النائبة في صمت رهيب ، ودون أن تمنح نفسها فرصة

أخرى للإنتباه والتأمل وأخذ نظرات .

هاهي الأيام التي حددتها الحكومة للإنتخابات الرئاسية ، وهاهي الكتل الحزبية تتسابق

وفق رؤى شعبية ولكل ما سيختار للمنصب الأوَّل للبلاد .

تتواصل الأيام وبقعة الحاج عابد مغمورة في بئر من الهلع والفزع ، حوالي 15 حزب

علت أصواتها في الساحة الوطنية ، تتسابق فيها ستة على كرسي الرئاسة ، وفق ما شرَّعته

الدساتير وحدَّدته قوانين الدولة المعمول بها ، وعلى الرغم من الألم الذي يطغى على الكيان

وتداعيات الأوضاع وتردي الأوقات تسير الأيام بخطى متثاقلة .

وتأتي الإنتخابات كمنفذ ومركب نجاة ، وحملت وحملت مُعوِّله على التعبير بكل حريَّة

في صباح من شهر أفريل ويقوم الناس بمنح أصواتهم .

الواجب الوطني هو الأهم ، وساعاته هي ساعات عيد ، الكل في الشارع نساء ورجال

شباب وشابات يتوقون إلى أيام العزِّ لتكسر العادات المريضة وتستحمَّ الأوجه بمياه

السواقي السائرة في هدوء ، تنساب رقراقة ، الناس تقترب من صناديق الإقتراع ، و

والأنامح تخفي البرقية في الصندوق الذي سيقول من يمثل الشعب .

الشمس غمرت بأشعتها أقصى الأبعاد النفسية ، الفرحة مستبشرة ترقص وتمارس طقوس

الحب لتمتطي ظهر الخلاص وتطير بجناحين .

تسير الإنتخابات تحت ظلال تخوفات من الخائنين ، وملف القضية لا يزال مفتوحًا وفكرة

الأمان لاتزال بدون ظل .

نصبت مكاتب الإقتراع في بقعة الحاج عابد ، وهاهي أعوان الحماية و رجال الأمن

مدعومة برجال الدفاع الذاتي من أبناء المدنيين تراقب السير .

الإشاعات كثيرة وما يتراوح اليوم إشاعات تروي ما سيزود به الأهالي من كتيبة لرجال

الدرك الوطني ، وكذلك مجموعة من الحرس البلدي والذين كانوا فيما قبل لكن لا يكفون

ولا يُكففون .

وهناك مشاغل أخرى كتزويد كل عائلة بالسلاح والذخيرة هكذا قيل ، وهن عائلة الحاج

رضوان وعائلة الطاهر وسي علي للعون وللأمانة .

ولا يزال الخوف والألسن المهددة تحفل بالمكان ، وفي ساعات الإنتخاب سمع أصوات تهدد

بحرق وغلق مكات الإقتراع ، الكل في حلقة  خوف النفوس ، وفي ظل أمان مشلول و

خطب خانق تتفوَّه فيه الثغرات بالبكاء ، ويتبعها إستجداد الألام الكل يصمت ويرقب .

الناس تجوب الساحة في حركة النحل ، الكل معني ، والكل يدلي بصوته ، وهو الواجب

والنفوس تقدر المسؤولية وقرينتها ما يبصر بالحق ، الحركة والجدة بعدما بقيت البقعة

خاضعة للحكم الهمجي كأرض أعداء مختلة حتى جاءها اليوم الذي تأخذ فيه صفة

الثبات والإستقرار .

في اليوم التالي يظهر ممثل الحكومة لتعلن النتائج على الشاشة ، الكل عيون مشدودة

ومتطلعة ومرتقبة وفي صبر وثبات .

يجلس سي الطاهر وأسرته حول التلفزة ، وتنضم إليه العائلة في غرفة الضيوف ، تسأل

نوال والدتها عن من تتمناه كرئيس للدولة .

سي الطاهر : لا بدَّ وأنَّ أحمد وجماعته يترقبون النتائج ، تنظره زوجته ثم تعيد النظر

إلى التلفزة ، ستة سنوات خلت دخلنا فيها عهدًا وهانحن نسير إلى عام اَخر .

بالفعل فمعسكرات المجاهدين كما هي عليه على مرتفعات جبال المدينة وبها مرافق للراحة

وللحياة الهادئة للمجاهدين ، وبشهادة العائد من هناك فهناك من حمل معه زوجته وأولاده

حيث أنشأت لهم الكتاتيب كمدارس لتدريس مناهج الشريعة وحفظ القراَن الكريم .

كان سي الطاهر على دراية بما يقوله، فلقد سمع من الناس موثوق بهم ، لحظات ويذاع

الخبر .

أخيرًا هاهو الخبر ، نصب رئيس الجمهورية والذي كان وزيرًا فيما سبق ، رئيسًا لا ينتمي

إلى أي حزب ، تهتز العائلة في فرح ، الكل فرح الصغير والكبير والزوجة والبنت .

هي ذي السعادة الحقيقية ، العرس في كل دار جزائرية ، وزمن قليل بعد معرفة الخبر

إهتزت الشوارع ، وتحركت ونشطت متأثرة بما يحدث سببا وإكتساب .

خارج البيوت الأجراس تقرع ، وأهازيج ترسلها أجراس أسراب السيارات ، الجميع في

الشارع ، أعلام مرفرفة وزغاريد ، تسلسلت الفرحة ومضت وئيدة في مجد غافر لكل

الأفئدة ، الكل يشدوا بإنتهاء الإنتخابات في هدوء .

في هذا اليوم تزودت مقهى الحي بتلفزة ملونة ، حيث جلس إليه شباب الحي وأطفاله

يشاهدون برامجها .

……………….                    ……………                      ………

يغيب الشفق الأحمر ويرتخي جناح الليل ، هاهي النجوم تزين ببريقها السماء

كل شيء يغلق أبوابه مبكرًا في البقعة إنه الهروب من المفاجأة ، ورغم إنفتاح البلاد

على عهد جديد فالحذر لا يزال مطلبًا ، وضوء القمر لا معنى له فلا سهر وسير على

ضوئه ، السكون يبدأ من بداية الخيط الأسود ، ولا مفر للأسر سوى الجلوس إلى

التلفزة الجزائرية ، حتى الهوائيات المقعرة غير مسموح بها وهي ضرب من ضروب

إبليس كما يقولون الجماعات الحاكمة في البقعة .

تجلس “حليمة” إلى زوجها وعيونها تستعرض اَلامها ، كيف لها بنسيان إبنها الذي لم تراه

مدة ثلاثين يوم فهي نشيطة في الحساب ، وإبنها الوحيد لا يزال يقبع على عش قلبها و

يملك حواسها .

أما الحاج رضوان فهو من أمعن النظر في مناظرة سياسية بثت هذا الحين .

في الضفة الأخرى هناك جبل قارون حيث يوجد به الرادار الكبير والرئيسي ، والذي

يمدُّ المدينة وجزء من المدن المجاورة ببرامج الإذاعة الأم ، في هذا الحين يصل إليه

أحمد وقاسم ومجموعة لا تتعدى الستة أفراد لا يتراءى منهم إلا أطيافهم .

يُخرج أحمد حقيبته من قشابيته ويفتحها ، ويتزود بمفاتيح مختلفة ، لكل شكل وبكل

الأحجام .

أحمد( مخاطبًا مرافقه): خذ الحقيبة وناولني المفتاح الذي أطلبه منك .

ينهمك أحمد في فتح البراغيث وأخيرًا .

أحمد : ناولني الشريط .

فجأة يحدث ضياع للصورة ، لقد إختفت لتحلَّ الرشاشات بكل الأشكال والأحجام

قطعًا سوداء وأخرى بيضاء ، ولولا رشات أزعت وضوح الصورة جيدا لحدثت

المتعة ، والصوت تمنعه ذبذبات متتابعة من الوصول وفجأة ينتبه الحاج رضوان

فيصرخ : يالله ، أنظري ، تظهر جماعات تسكن معسكرًا ، إنه فلم بوليسي ، أنظري

اللافتة هناك ماهو مكتوب عليها ، لكن من ذا الذي يُعرفنا بكل هذا ؟

الصورة توضح جماعات مسلحة تعقَّد لسان الحاج رضوان لما راَه .

حليمة : قل لي ما هذا ؟

يشير عليها بوضع السبابة على شفتاه : أنظري هناك من هو منبطح ، ياللهول إنهم

يذبحونه ، واَخر يبدوا أنه شاب ينام منبسطًا على الأرض وجماعة ملثمة تحاوطه و

يكبلونه ، يصرخ يتحرك وأخيرًا يهمد إنهم ينحرونه مثل الشاة ، اللطف منك يا الله

كل شيء يظهر أمامهم ، وتمضي دقائق قليلة وتَغم شاشة التلفزيون صور الجماعات

فلا برنامجًا ولا نقلاً من العاصمة للمناظرة السياسية التي كانت تمر ، لقد فسد البث

التلفزيوني ، وإنقطع التيار الكهربائي ، باتت البقعة في عزلة زادتها على ما كانت

عليه من خوف مُروع يسحق الأكباد ، لقد توعدت كتائب المجاهدين بالثأر .

هاهو الوقت قد حان يقول الحاج رضوان ويضيف :

هذه العملية لن تمر هكذا .

تسلل الرجل في الظلام ، يتفقد إحكامية إغلاق الباب الخارجي ، بينما تنير “حليمة”

الغرفة بشمعة وتغلق جهاز التلفزة ، ليخلد الجميع في نوم عميق بعدما أطاح بها و

بمنامها ما حملته الشاشة من صور ومن تصرفات أظهرت ما يسمى بنظام معسكرات

الجهاد .

في الصباح الباكر وهو وقت يباشر فيه العمال أعمالهم توقع فيه الجميع تبادل الحديث

عن ما شوهد ليلة البارحة ومد وجزر للأقاويل ، ولكن التوقعات كلها تلاشت مع تلاشي

ضياء الشمس ، من ذا الذي يمثل السلطة هنا ؟ والواضح أنَّ من يفتح فمه يسمع من أذن

معادية ، إذًا فالجدية كلها في غلق طريق منافذه تؤدي إلى الهاوية .

شوارع البقعة خالية من البشر ، والكل صامت إلاَّ من حركة الطائرات والتي لا تزال

غادية ورائحة ، هذه تحمل رادار وأخرى تتبعها ، لابد وانها حركة إعادة تنصيب جهاز

اَخر مكان ما دمِّر ، الناس ترى الحقائق بالأعين فقط ، والإشارة مسموح بها ، لكن أن

تنطقها الشفتين هذا ما لا تعتمده الأنفس الضعيفة .

النجاح الكبير الذي حققته الجماعات أمسٍ بعرضها لشريط يبين جانبًا فعالاً من سيرة حياتية

يومية في معسكرات القتال وضَّح الحقائق الخفية ، ومدى تمكُّن عناصرها من تحقيق

إنتصارات مُحقة ضدَّ عناصر الأمن ، وهو ما خلَّف الأثر في نفوس العامة ، وتأثرهم

بالمناظر المعادية للنظام ، لقد برهنوا بذلك على إمكانية الإرهابي في التوغل في الأفكار

على الرغم من شدة الطوق الأمني المضروب حولهم .

هذه العناصر الدموية تمكنت من جعل بقعة الحاج عابد مركز عبور ونقطة إلتقاء عناصرها

لذا فلقد وجدت الثغرة لتزرع خلية أخرى من خلاياهم بها ، وهذا نتيجة السبات العميق

لمقيميها والذي أكمل فعل الفاعل ، وحصده أحد أبنائها والذي كان “أحمد” .

ورغم التحصين العسكري  إلاَّ أنها سقطت من علو وإنزلقت في الهاوية ، ونبتت على

أنقاض ماكان ظهور خلايا كانت لها بذورها منذ الثمانيات .

وإعادة النظر تخصصت بها دائرة الأمن بالمدينة ، ونصبت كتيبة للدرك الوطني ببقعة

الحاج عابد ومعسكر لجنود الأمن الوطني ، هذا الإجراءات جعلت الأهالي يغمضون

الأعين ، ويمسحون الغمامة عن الأعين ويرفعون الثقل عن الأكتاف .

أمَّ عاصمة الولاية فالطوق الأمني محكم حولها فجعلها تحافظ بشمل كبير جدًا على

إستقرارها وحتى عزل المجموعات التي لم يعد بإمكانها القيام بعمليات إجرامية كما سبق

إعتمد الأمن أسلوب التفجير والمباغتة معتمدًا سياسة الأمير عبد القادر “ضرب وأهرب”

وما يسمى “بحرب العصابات” .

…………….               ………..               ………

هاهي الأيام تنساب من بين أيدينا ، وتتوارى وتَخلُفها أخرى ، لقد نُصبت حكومة

جديدة قطبت وزراء من كلِّ الكتل الحزبية ، الأمل يراود الجميع بمستقبل وردي ، و

الدولة تؤكد إستقرارها بنجاحات حققها رجال الأمن في القضاء على الإرهابيين التواصلة

كلَّ يوم ، أيام قلائل نُصبت كتيبة للدرك الوطني جديدة ، وأستبدلت عن سابقتها ، بعدما بدا

للأعين وتسلل للأذان التحضير لعمليات إبادية ضدَّ أفراد الشعب تحت قيادة وإشراف الأمير

“أحمد” المدعو “بيسة” ومعاونه “قاسم” أمير الناحية ، وزحفهم نحو الوديان المحاذية للبقعة

وسكنوا البساتين الوعرة .

شهر رمضان على الأبواب ، وهي مناسبة للزيادة في الإعتداءات من تفجيرات وجرائم

وإغتيال ، أمَّا في البقعة فالناس في غنى عن التفجيرات واللصوص قابعين بها بوضح

النهار ، وكثرتهم في المناطق المعزولة وفي الضواحي ، الكل يدرك ذلك حتى رجال

الأمن ولكن من ذا ليتحرك ويوقف الجبروت ؟.

الهواء عليل والنسيم شافي ينساب إلى المناخر ويداعب صفحات الوجه ، وتتحرك الشمس

الربيعية الدافئة نحو المغيب رويدًا رويدًا ، فلم يبق على إستقبال الصيف إلاَّ يومين فقط .

يجتمع رجال الحي في دائرة ، حيث تتنوع وتتداخل الكلمات وتمتزج فتصبُّ في نهر واحد

هذا هو الحاضر واقعًا تعتريه خناجر الهموم ومعانات نفسية يومية أشواق وثقة بالحكومة

الجديدة وأملاً بأن ترفع عنهم ولو القليل من أوزار العُسر .

جاسم واحد من شباب البقعة والذي بقى ولم يفر ، فروى الأعين الشاهدة ما كساه كجلده .

يقول متحدثًا للجماعة :

إنَّ مجتمعنا مهدد ، وليس وحده بل كلَّ المجتمعات العربية بها السرطان الذي هنا ماكانش

هكذا من القبل الاَن الواحد مايديرش الأمان حتى في خوه ، يا الله ما وصلنا له ما يحدثش

حتى في بلاد لا تعرف الإسلام ، وحدث معنا نحن المسلمين وأصحاب الإيمان ..

وقبل أن يكمل جاسم كلامه حتى خرج من وراء الشجرة شبحٌ ملثم ويلبس قشابة مخططة

لا يظهر لونها ، وما إن تراءى حتى حملق الجميع في المجهول ، وفيما حلَّ عليهم وقد

تسمَّر كلٌ في مكانه ، اللامعقول عقد ألسنتهم ، وفجأة تواصلت وسابقتها تُحتسب الأنفس

تبحث عن أشكال التعبير في ضيق الحدود ، وأخيرًا كشف عن وجهه بعدما ما إنضمَّ إلى

المجموعة ، إنَّه أحمد يجلجل الأصداء بوقع أقدامه ، فيقف الجميع وقوف الأطلال وما تبقى

من تعاقب للحضارات محاولون إجترار الدهشة .

أحمد  (متبسمًا)  ينزع ما تبقى من تلثيم على شعره ومتوسطًا للجماعة :

لقد توحشت أنشوفكم كلكم .

لقد تغيرت ملامح أحمد إلى وجه  ممتلئ وبنية قوية ، وهاهي قسماته تصرخ تغييرًا

فإكتسى ذقنه شنبات كثيفة تدلت من أسفل الشفتين ، وكست الحَنك الغليظ ، فظهر كالإمام

المحتجب .

ما إن إطمأنَّ “جاسم” لصديقه القديم ، وقرأ مبتغاه على شفتيه واللتا إنفرجتا بإبتسامة

عريضة حتى غرقا في عناق شديد طويل ، إنَّه الحنين والحب القديم ، وصداقة توالدتها

الروابي والأبراج العالية التي عاشا فيها الرجلان ، والتي لا تزال تتضائل لتتحدد بالزيارات

النادرة لأحمد إلى البقعة والبلدة .

أحمد (وهو يداعب صديقه) ما زلت أنت أنت ..؟ وينتقل بين البقية يعانق ويمزح ، فهذا سي

الطاهر وإبراهيم ، ينظم إلى المجموعة ذكورٌ ظهرت حركة شبابهم مؤخرًا ، ولم يتعدوا

سنَّ 15ربيعًا من أحفاد سي علي وغيرهم من سكان البقعة .

يسأل أحمد عن حالة من يعرفهم ، وعن الحالة الأمنية ، حتى سأل عن العجوزة العمياء

التي تعيش معيّة إبنها وأولاده ، وهي العائلة المستأجرة لبيت بالبقعة مؤخرًا .

إختفى أحمد وسط الزحام ، ولعبت أقدامه بأقدام الشجر المترامية ، يبحث في الماضي و

يقف في الحاضر ، وحمل كلامه ما كان من دور كايم : الإنسان أسير ماضيه .

يمسح الغبار عن وجهه وينفض اَخره بيديه ، يتحرك أحمد بين أصدقائه وأهله بحرية مطلقة

وتتحرك جموع من حوله يواسونه ويسألون عن أحواله ، وعلى الرغم من قوته الجسدية

إلاَّ أنَّ الضعف الجسدي والفتور الذي في عيونه وضعه وراء القضبان .

جاسم ( وقد إنسجم وتسامح مع صديقه ) : إنّه بلا شك التعب والتفكير والجري خلف الخبزة

لكنها حالة الفرح التي لا تتم ، فما هي إلاَّ لمحة بصر حتى تدوي أصوات وعيارات نارية

الرصاص يعلو وينتشر يتدافع في برقعات من كل مكان ، يُجذب أحمد من قندورته ، و

يتسلل إلى داخل الأشجار تاركًا جماعة الناس في هلع وعلى فزع قاهرين ، ويمضي سالكًا

المسلك المظلم وطريق الساقية الخضراء حيث تكاثفت الأشجار وتطاولت الأعشاب

لتغطي الفتحات .

بينما تتداخل الأصوات المرتفعة وتمتزج فيما بينها وتخرج ألوانًا وأشكالاً من الحناجر .

الكل يجري إلى مأواه ، الناس تهجر المكان ، البقاء خارج البيت فعل خطير .

يسرع “سي الطاهر” صاحب البطن الممتدة أمامه فتعرقله عباءته البيضاء ، يقشطها و

يشدها بفمه فيكشف عن ساقيه ، يسرع نحو بيته غير متلفت خلفه :

إنّها الساعة وهو مسرع ، إنها الساعة ..

وماهي إلاَّ ثواني حتى غاب طيف البشر عن الساحة وعلى طول الطريق الترابي ، الكل

دخل بيته وغلق على نفسه ، الرصاص يهدد الأنفس لا خيار للبشر إلاَّ الإمتثال للأوامر .

وما أن ترسل أشعة الشمس الشعاع الأول من الضياء حتى تحاصر البقعة بجنود من الجيش

في كل مكان وعلى كل النواحي ، وتحت ظل كل شجرة ووراء كل جدران .

وهاهي جماعة العساكر تتقدم نحو كل بيت ، الإستنطاق يشمل الكل ، والسؤال واحد :

أين هو الفار ؟ أين هو المجرم ؟ الويل لمن ينكر أو يغطي الحقيقة ، والويل لمن يقول

لا أدري ، وإلاَّ سيدار وراء قرص الشمس .

أعداد كبيرة من الجنود إحتشدت أحمد هو سبب الجمهرة ، وهو من إستحق ذلك بفعله .

يسير إبراهيم إلى جانب جاسم وهما في الطريق إلى عملهما :

أهو خطير بهذا الشكل وإلى هذا الحد أم نحن الذين لم نكن لنعرفه أكثر أين هو الاَن ؟

جاسم : هناك أكثر من سؤال ، فمثلاً لماذا الظهور والغياب فجأة ؟

أسئلة لا يستطع أحد الرد عليها إلاَّ من هو المعني به ؟

هو ذا الإنقلاب الحقيقي الكل يبحث عن أحمد الملقب “بيسة” لقد وضعت الدولة مكافأة

كبيرة لمن يشاور أو يرشد على مكانه .

كيف لا وهو من إمتصته الأرض بعدما إنفجر في الأرض غضبًا ، هذا الصباح وقع

إشتباك عنيف بين الطرفين دام إلى منتصف النهار من نفس اليوم .

إستطاعت القوات المشتركة للأمن من القضاء على أحد العناصر المعادية والذي يسمى

“جعفر” الرجل المشتد في المجموعة الرابعة بمحاذاة العرجة ، وفي الناحية دوى القنابل

تزعزع الأرض ، وكأنها براكين ، الدخان يعلو السحاب .

هذا التمشيط أعطى النظرة المهمة على نشاط الهجرة والتكفير والتي نشطت بين 92/97

على المرتفعات المحاذية لتزحف يومًا فاَخر لتأخذ المنطقة بؤرة لها .

الإشاعات التي تطفح وتملأ الأفواه ترسل أن أحمد العضو المهم والمؤسس لهذه الخلية

والمركز فيها والمعتدل والمحافظ على تجانسها لتنبع من ناس مؤتمنين .

ومن أهدافها ضرب كل ماهو تابع للدولة ومنصب حرصهم على ما يسمونه ” سلوقي

الطريق” وكل الصعاليك ، تحت شعار ضمان كرامة إخوانهم ،  طريق الغاب فيه الحق

وإختلط فيه الحق بالباطل والأبيض بالأسود والدم بالماء والغبار ، إنّه الغضب لوحده

الخاص بإسهاب الأنفس .

إلى أن كانت ليلة السابعة والعشرين من شهر الإكرام وصاحب المكارم ، حيث قدِمت

عائلة من المدينة لتسكن بيتها مُحاذات البقعة ، بقطعة أرض على حافة التل الرابط

الجهة الجنوبية لبيوت الأهالي بالجهة الشمالية ، وبدأت به الأشغال منذ خمسة عشر يوم

لتنتهي به الأعمال وهاهي اَخر اللمسات تمر بتاني هذه مدة .

هاهي تسكنه عائلة تتكون من أب وأم وإثنان من الأولاد ذكورًا ، قد تجاوز سنّ الشباب

أحدهم وقارب الأربعين من العمر ، والاَخر لم يتعدى العشرين ربيعًا .

لم يحنْ الوقت للتعرف عليهم ، كما أنَّ ظهورهم بالبقعة قليل والخارج من المنزل أو

العائد له يأخذ مسافة الذهاب والإياب للعمل فقط ، لكن ما صعب على الجميع سهل على

زوجة “سي علي” معرفته بحكم مجاورتها والإتصال بين الزوجتين .

تتوالى أيام القرية في هدوء نوعي ، وأنظار مراقبة لعواصف قد تكون في الأفق أو في كل

لحظة من اللحظات .

هذه الليلة تفرَّق جموع الناس وفي حدود التاسعة مساءًا ورغم توقف نظام حضر التجول

ومع قيام حكومة جديدة وتوسع دائرة الأمن وإمتدادها عبر كل بقعة ومنطقة ، إلاَّ أنَّ

الأيام الدامية لا تزال قائمة ، فحضر التجول لا يزال أمر عودته وارد ، والسلامة مرهونة

باللسان ، ناس البقعة وضعوا العائلة الاَهلة حديثًا في الظل ، ولا بديلاً لمخالطتها ومعاملتها

المعاملة الطيبة تفاديًا لِما ظلم .

……………                        ……….                       ………..

في منتصف نهار اليوم الموالي وفي وضح شمس نهاره ، هاهم الأهالي منهم من في عمله

واَخر في الشارع واَخر في المقهى الوحيد المفتوح على الحانوتان الوحيدان لبيع المواد

الغذائية التي تحوزهما البقعة ، ويقابلهما حانوت إبراهيم لبيع الملابس الجاهزة للنسوة .

أما الروابي هاته الخضرة الدائمة المنشرحة الفريدة النظارة ، هي فن إمتد على مساحات

واسعة وطوال سنين يطول ما عانته السنين ، هي إمتداد طبيعي لجبل عريق من الحجارة

الصلبة جذور ضاربة في الأرض في منظر متواضع .

هذه المناظر من صنع الخالق ، وأحتكر منذ ثمانية سنوات ، توارت بها حياة وظهرت

تنظيمات دموية جاعلة جوُّها تهجيري .

ساعدته على ذلك مقاطعة الناس له ، وقلَّ الداخل والخارج للبقعة غير أهاليها .

تتوسط الشمس السماء الكل غارق في همِّه حيث السعادة عند الكثير مكتوبة ، فجأة تُسمع

طلاقات الرصاص متناثرة ، وبدأت تتكاثر شيئًا فشيئًا في شارع كبير غير بعيد عن البقعة

محاذاة العرجة تتعالى الأصوات وتمتزج بأصوات التكبير والتهليل .

يعلو صوت “رمضان صاحب المقهى : أصوات الرشاشات ، الرصاص في السماء

الكل يهرع لغلق متجره ، الكل في ذهول وفي خوف وعلى فزع ، أمَّا رجال الأمن

فلا حراك ولا وشوشة .

هناك من هم في عراك يعود “سي علي” مسرعًا هو وإبنه الصغير أبو بكر ، يلقفه إبراهيم

في طريق العودة :

ماذا هناك ( شكون راهو في العرجة ، هل هذه التفجيرات من هناك ، هذه ما تكون غير

“الجيا” )؟.

لا ينتظره “سي علي” ولا يُرَكز إهتمامه ، ويسرع جارًا إبنه ذو الخمسة سنوات .

سي علي : مازيدش الهم ، رجال الأمن يراقبون المكان .

الأهوال متقابضة مع الجيش الإسلامي المسلح ، وهاهي الثورة ، توغل الإرهابيين في

القرية رغم الطوق الأمن الذي يحوز البقعة ويسد المداخل والمخارج ، يظهر أنهم

قادرين على الوصول إلى كل مكان بها ، الجماعات تحاول نقل الرعب إلى كل مكان .

في المساء يجتمع الناس كما إعتادت الجماعات المتناثرة هنا وهناك ، ويبقى محور الحديث

يصبُّ في هدف واحد وهو ماحدث اليوم ، وما أرتكب من ترويع وفزع أنهى حياة الكثير

وهناك عمليات أذنت بأفعال شائنة أخرى ، كخط تتابع ، ولكن الحدود تفتحت أكثر ، لقد

نهب “المير” ملا يين “دار البلدية” وأموال ومستحقات  الناس ، فالملايين ذهبت إلى رصيده

الخاص ، أموال كبيرة بإنعاش الإقتصاد وتنمية مشاريع مختلفة وضعها في كفته هو و

شريكه “غُماري” رئيس البلدية من خطَّط لكل شيء .

الفضيلة جزء من طبائع الناس ، ولهذا فقد أضحى المير ومؤسسته الجديدة هذا الصباح على

كلِّ لسان وموضوع الجماعات والتجمعات .

الناس لا تعرف ما تقول ولا عن ماذا تتحدث ، فالناس يُطوقها الرصاص ، ومسؤولون

يزيدون من تضييق الخناق وإستغلال الفرص في نهبٍ لأموال العشيرة ، فماهذا الذي تسير

إليه وحدة الأفراد ، وتوافدت المصائب في يوم واحد ، والهدف لم يختلف فيه الإثنين هو

رؤوس العباد من الخلق .

“سي الطاهر” الشخص الذي ألقى الخبر على عجل ، وحرص أن يتناوله الناس ساخنًا

وفي إسهاب وحرص وفي أدق التفاصيل ، وهاهو يحكي ما حملته أذنيه من شوارع

المدينة :

لقد عقد ” المير غُماري” صفقة مع مصنع الأسمنت لبناء جناح في دار البلدية ، لكن

الأموال التي أخذها للمشروع دخلت رصيده هو شركائه ، وكانت معهم إمرأة عاملة

بالبلدية مختصة بالإتصالات ، ولكن لا جناح بُني ولا أسمنت ولا أجور كلَّ شيء ذَهب

إلى جيوبهم بعدل .

الحاج رضوان : وماذا عن الفتاة ؟

سي الطاهر : ربي عالم ، هذا لي عرفناه ؟

أمَّا إبراهيم الذي كان متطرفًا عن الجماعة وجالسًا ساندًا ظهره إلى جذع الشجرة ويغرز

عود الحطب في التراب أمامه فرفع أخيرًا رأسه :

وماذا صنعوا بهم ؟

سي الطاهر مبتسمًا : الحادثة مرَّت عليها أيام واَخر خبر عنهم لقد خرجوا بكفالة ، و

سيحاكمون في الأيام القادمة .

إبراهيم شاب حماسي لا يروقه ما يُفعل بالشعب : هذا هو قانون البلدية والولاية الجديدة

يمنح صلاحيات أوسع للأميار لتسير بلدياتهم ، فالسكنات تُعطى لمن يطيب لهم خاطرًا

ولمن جيبه ممتلئ : أما الإنسان القليل فموت يا حمار .

سلسلة عمليات البحث التي يقوم بها رجال الأمن متواصلة تسير على تيار مسترسل و

بسطت لتشعر الحكم في كل مكان .

مصادر أمنية تنشر وشوشاتها في شوارع البقعة أنَّ أغلب عناصر “الجيا” رابضة على

ضفاف الوادي للمقاطعة الجنوبية ، وأنها برئاسة مير “الجيا” أحمد المدعو ” بيسة” .

الإعتداءات الإرهابية إشتدت حدَّة منذ طَلَع “بيسة” أميرًا عليها ، وأنَّ هناك جماعات

أخرى مجهولة الإنتماء ، لكنها بالمقابل تجري إتصالات دائمة مع جماعة السلفية

للدعوة والقتال .

ومن هذا فنهاية ظاهرة للأعين ، والمسافة بين تواجدها وبين إندثارها باتت على مرمى

حجر من اليد .

هي كذلك ليلة قراءة فاتحة “نوال” على شاب صغرته بعام فقط .

الشاب “جيلالي” من مواليد 75 لكنه شخصية رجولية ، إجتمعت فيه غالبية الصفات

المُحفّزة والمؤهلة ، النصيب حلَّ اليوم ، والفرح عاد يرفرف فوق الرؤوس ، ويرقص

في حبور بعدما حجب عن العائلة هذه شهور خلت .

الدنيا طريق طويلة ، ولكن ما إن تأتي ساعة الفرح تتلاشى جميع الأحزان ، سي الطاهر و

زوجته حمامتا العرس يبديان في أحلى الملابس وأبهج المناظر ، تُقرأ الفاتحة عند مغيب

الشمس ، وتكلَّف بها “طالب” الحي الحاج رضوان .

هاهي نوال تتلقى التهاني ، وبنات الحي والنسوة مجتمعات ولا يزال الحزن يقبع على

ملامح الفرح ، ساعة فقط بعد إتمام مراسيم قراءة الفاتحة حتى تعدت الساعة التاسعة

ببضعة دقائق فتسمع وقع تفجيرات وقنابل هذه المرة ليس صدى رصاص ولا بندقيات

إنما صوت أسلحة ثقيلة ومدافع مدوية ، الزمهرير يَزفر بالأنفس ، رجال الأمن من

جنود وعساكر تُكبل البقعة ، الخروج ممنوع حتى الأصوات العالية غير مسموح بها .

أمَّا الوقوف في الشارع فضربًا من الضروب المستحيلة خطر كبير ، الخارج يجازف

بحياته ، في العرجة تتشابك قوات الأمن مع “الجيا” بيسة ونائبه بلقاسم مع كتيبة الجيش

يتقاتلون ، الظلام حالك لا يعرف عددهم ولا يُحصى ، رجال الأمن مُعوِّلة ، عتاد

ضخم أطنان ومدافع جرافات ، وحاملات السلاح ذخيرة وعزيمة ، الكل في إستعداد

تُهاجم معسكرات “الجيا” تطوِّق المكان ، هاهي المدافع تدوي وتُزمجر ، تهزُّ الأرض إنها

القيامة ، الرصاص ، الموت في كلِّ مكان ، لقد هلكت مزرعة “سي رضوان” ، وهلك

زرعه ، خرَّت أمام الإجتياح ، وأتلفت عندما تكاثرت الأقدام داخلها ، داست أغصانها

وفي اَخر الليل والعشب نيام ، فلا أوراق ولا جذور ، العشب كثيف يسقط عن حماية

ظهر “بيسة” ، وهاهو اَخر رجالاته “بلقاسم” يسقط قتيلاً ، فيعتنقه صديقه أحمد

إنه الوداع يقول بلقاسم في اَخر لحظاته :

يجب أن تهرب ، إهرب ، يرفع سبابته يريد النطق بالشهادة ، لكن الموت عجَّل به

لقد غاب عن الوعي وتوارى وراء السحاب .

يأخذ “بيسة” رشاشته وذخيرته ويجوز رشاشتان يتأبطهما بشدة ويهرول ، ينظر يمينًا

وشمالاً وتارة خلفه .

إنهم الجنود وراءه ، يجري ويجري .. يعبر الوادي سالكًا الطريق العالي ..يجري ، و

لكن يهلكه التعب ، تعرقله عباءته فيقشطها إلى حزامه ، ينظر إلى جنب هناك ، صخرة

كبيرة صالحة للإختباء ، يجري نحوهما ، لا يتوقف لولا إسترجاع الأنفاس يرغمه بذلك

لكن العساكر لا تئن ولا تهن ، وبخطوات أسرع واطنان مطننة من الاسلحة تستبقه إلى

المكان العاري من الأشجار ، إلاَّ بعض الصخور الضخمة الصلبة تصمُّ الاَذان تدوٍّي

كالرعد ، تعاود إصدار الصوت :

سلِّم نفسك..؟

قائد العسكر ينادي ، يطلب مني الإستسلام ، العرق لا يزال يتصبب حتى بلل العباءة

التي رفعها غلى الأعلى بحزم بلاستيكي وقد تقطَّع جزء كبير من أكمامها ، أمَّا السروال

الخفيف فقد نسجته الأشواك والأعشاب اليابسة كما حلى لها .

يتقاطر ساقه دمًا ، وجروح خفيفة على دائرة الساقين ، وعلى الكعبتين ، والرسغ ، لم يبق

إلاَّ الحذاء الجلدي يصرخ صامدًا وقد أذِنَ بكلِّ سوء ، حتى قوَّة ساعديه فَترت

أمَّا شفتاه فقد تدلت من ثقل اللعاب بهما ، تعلو مكبرات الصوت :

بيسة نحن نعلم أنَّك وراء الصخرة عليك بالإستسلام ، لا وقت تُجازف فيه بحياتك .؟

يرد بيسة في خفية ويتمتم : لا ، لا يمكن .

يتشلوش كلُّ ما به يضع رشاشتاه من يده ويخرج كيسًا ضخمًا كان يَحصره حزامه في

داخل العباءة ، يجلس تحت الصخرة ويفتح السُرَّة ، العرق يتصبب من جبينه يحسُّه

ساخنًا : يا الله إنَّها أوراق نقدية أوراق ، وأوراق في غير ترتيب ، الرجل مليونير .

لا ، لا يمكن أن أترك أحدًا يهنأ بفلس ، بعد ضياع حياتي .

يتصفح الأوراق بأصابعه ، يقربها إلى عينه ، يتشممها ، ويتملى منها :

يعزُّ عليا فراقك لكنها مشيئة الأقدار .

يمزق أولى الأوراق قطعًا صغيرة جدًا يسحقها بكفيه ، ينظر في البقية ليأخذ مجموعة

منها ويمزقها ، فمجموعة أخرى ، فأخرى ولا وقت واسع ، يجب الإسراع ، الأيدي

تمزق والشفتان تتحدثان ، جرأ على كلِّ شيء ألاَّ من يُعادونه .

الجنود يطلقون النار يصوِّبون نحو الصخرة ، خلع عنها ، يهيئ نفسه وينظر وسط الظلام

يحمل الرشاشتان واحدة بيمناه وأخرى بيسراه ، يطلق النار بيمناه ، ويطلق بيسراه

يُصوِّب نحوى الجنود ، الظلام غمامة داكنة لكن المواجهة أكيدة ، شريعة حماية الروح

واردة ، يتسارع الحماس حتى يسري في الدماء ، إنَّها الموت .. يسري الدم في العراق

يصيح يا أوغاد ، يا رعايا الدولة ، وكلاب …ياحْرَاكة وسُراق … يقف فوق الصخرة

ينشر الرصاص بيمناه لأنَّ يسراه إنتهى فيها الرصاص … إنَّه الموت …الرصاص يخترق

الجلد فيحطِّم العظام … يسيل دمه يتناثر فوق الصخرة … يرتمي سلاحه من بين يديه و

يرتمي جثة على الصخرة ..إنَّه أحمد بن الدشرة ..يسقط اَخر القتلى ليغيب في الجهام

الفسيحة …ولا شكَّ فيما بعد فهي النتيجة التي زعم مبلغها وقرَّ رأيه على ………..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
سطيف/ توقيف سارق 270 مليون سنتيم و17 قطعة ذهبية قسنطينة /حي جبلي أحمد ببلدية حامة بوزيان ينتظرون العديد من مرافق قسنطينة / اللوحات الإشهارية...ديكور فوضوي مميز للمدينة الجديدة علي منجلي في ظل سكوت الجهات الوصية قسنطينة / الأمن يوقف مسبوق قضائيا ويحجز 495 كبسولة من مؤثرات عقلية تمنراست /  توقف ستة أشخاص  عن قضية حيازة و المتاجرة بالمخدرات.  وصايا الأدب / حمود ولد سليمان /غيم الصحراء دراسة / النوم العميق يساعد الدماغ على التخلص من السموم ريال مدريد يدخل في مفاوضات مع بوروسيا دورتموند من أجل ضم هالاند الدوري الأوروبي/ نتائج إياب الدور ال16: بطولة الرابطة المحترفة الأولى لكرة القدم/ - برنامج الجولة ال15: الشّاعر الموهوب: "بوجمعة قدور" يفتـح قلبه لجريدة: "الشـّـــرق اليــــوم": الطارف / رئيس دائرة بن مهيدي يقف على مشروع مشتة المصارين و مناطق الظل المسيلة / مدير التعمير والهندسة المعمارية والبناء في تصريح هاتفي للشرق اليوم قسنطينة / مناورة تطبيقية للعناصر الحماية المدنية حريق في الطابق الأول على مستوى الإقامة الجامعية لال... ميلة / سنتين سجنا نافذا وغرامة مالية بقيمة 100 ألف دج في حق مدير سابق لمؤسسة العمومية لتسيير مراكز ا...
إغلاق

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (0) in /home/elcharke/public_html/wp-includes/functions.php on line 4755